أزمة المحروقات تشتد.. إنتاج متدني ونظام فاقد للسيطرة وموالون يسخرون

أزمة بنزين خانقة وطوابير من السيارات تنتظر على أبواب محطات الوقود لساعات أملًا منها في الحصول على 20 لتر فقط من تلك المادة، هو العنوان الأبرز للمشهد اليومي في شوارع وساحات العاصمة السورية دمشق.

ولا تقتصر الأزمة على العاصمة دمشق، بل تمتد إلى مدينة حلب التي باتت شوارعها شبه خالية من السيارات العامة والخاصة، إضافة لشلل واضح في حركة النقل العام بسبب شح تلك المادة وصعوبة الحصول ليها.

في حين ذكرت مصادر لسوريا 24، أن مدينة الحسكة تشهد الوضع ذاته، يضاف إلى ذلك عدد من المدن والمناطق الخاضعة لسيطرة نظام الأسد، وسط غياب أي حلول تلوح في الأفق لإنهاء تلك الأزمة.

مكاشفة غير مسبوقة من حكومة النظام
ومع تصاعد الأزمة، نشرت صحيفة الوطن الموالية للنظام، الأربعاء، ما أسمته “مكاشفة غير مسبوقة” نقلا عن حكومة النظام جاء فيها: ” إن سورية بوضعها الحالي يومياً إلى ما لا يقل عن (4.5) ملايين لتر من البنزين وإلى (6) ملايين لتر من المازوت، و(7000) طن من الفيول و(1200) طن من الغاز، أي إن الحكومة تحتاج إلى فاتورة مالية يومية تُقَدّر بـ(4) مليارات ليرة سورية، ما يعادل (8) ملايين دولار أميركي، لتصبح الفاتورة الشهرية التي تحتاجها الحكومة (200) مليون دولار أميركي”.

وتابعت الصحيفة: “أما الإنتاج النفطي من المناطق المحررة فيعادل بالكامل 24 ألف برميل، في حين تحتاج البلد يومياً إلى 136 ألف برميل، أي إن ما تستطيع وزارة النفط تأمينه لا يتعدى نسبة 24% فقط من الاحتياجات الفعلية، وبالتالي نحن بحاجة إلى توريدات، وهنا تحديداً، جاءت أزمة توقّف الخط الائتماني الإيراني الذي كان الرافد الأساسي في هذا الإطار”.

وأضافت، أن “الخط الائتماني الإيراني، توقف بتاريخ 15/10/2018، ومعه بدأ الحديث عن السيناريو الأسوأ المحتمل، وهو أن البلد بات بحاجة إلى سيولة مالية ضخمة لتغطية الفجوة الكبيرة التي تركها توقف الخط، فمنذ توقفه قبل ستة أشهر وسورية تفتقد النفط، وبهذا المعنى، ووفقاً لوزارة النفط، فإنه لا ناقلة نفط خام وصلت إلى سورية منذ ذلك التاريخ وحتى تاريخ هذا اليوم، كل هذا كانت له نتائجه السلبية”.

في حين لم تذكر الصحيفة الأسباب التي أدت لتوقف الخط الائتماني الإيراني، إلا أن الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي “سمير طويل” رأى أن الأزمة المالية والاقتصادية والحصار الذي تعاني منه إيران، جعلت النظام غير قادر على أن يستورد عبر الخط الائتماني الإيراني مشتقاته أو حاجته من النفط، ناهيك عن العقوبات الدولية، يضاف إلى ذلك كلفة المشتقات النفطية التي قد تشكل للنظام أزمة مالية كبيرة تحول دون استيراد الكميات المناسبة من المشتقات النفطية.
140 ألف برميل من المشتقات النفطية يومياً.

وبحسب صحيفة “الوطن” التابعة للنظام، فإنه “وبعد توقف الخط الائتماني الإيراني، عانى قطاع النفط عجزاً كبيراً، حيث وصل العجز في مادة المازوت إلى 90 يوماً، والبنزين إلى 108 أيام، والغاز إلى 45 يوماً، لكن نتائج هذا العجز لم تظهر قاسية كما هو حالها اليوم نتيجة الإجراءات التي اتُخِذت، وشملت الاستفادة من المخازين الميتة، تفريغ الخطوط، تعديل مزائج التحضير، زيادة الإنتاج، وهذه الإجراءات عدّلت من العجز الحاصل في الكميات نسبياً ووفرت ما أمكن من المادة النفطية في السوق المحلية”.

وقال “طويل” لسوريا 24: إن النظام لديه مشكلة بإمدادات المشتقات النفطية حتى قبل الثورة السورية، كونه كان دائما يصدر النفط الخام ويستورد مشتقات نفطية من الخارج ومنها البنزين، وهو يعتمد على الاستيراد من الخارج منذ 14 عاما.
وأضاف، أن الذي استجد خلال هذه السنوات، أن انتاج النظام من النفط تراجع من 380 ألف برميل إلى 68000 برميل يوميا، بينما هو بحاجة إلى 140 ألف برميل بشكل يومي لتغطية احتياجاته اليومية من مشتقاته النفطية، أضف إلى ذلك أن حقول النفط واقعة في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وبالتالي فإن النظام وبسبب قصف التحالف الدولي ليس بإمكانه أن يستلم شحنات من النفط حتى يغطي حاجته.

وفي هذا السياق، نقل ناشطون عن “شبكة دير الزور 24”: أن طائرات التحالف الذي تقوده واشنطن استهدفت صهاريج تنقل النفط لمناطق النظام من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة الشرقية، وذلك بعد مضي عدة أيام من تداول السطو على صهاريج لأحد أهم المجموعات التي تورد النفط للنظام في المنطقة.

وبحسب ذات المصادر، فإن عملية الاستهداف تمت في “الضفة الغربية لنهر الفرات”، مضيفة أن الحادثة سبقها طرد قوات التحالف لعمال “شركة القاطرجي” الراعي الأول لعمليات نقل النفط بين النظام وسوريا الديمقراطية المتواجدين في حقل “كونيكو” للغاز، مشيرة إلى أن مجموعة القاطرجي عقدت عدة لقاءات مع وسطاء خط الجزيرة في الميادين، لبحث تسهيل وصول شحنات النفط من مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

خطة من النظام لرفع الدعم عن المحروقات
وأشارت صحيفة” الوطن” في المكاشفة الحكومية التي نقلتها إلى الحلول التي لجأت إليها وزارة النفط وقالت: لجأت وزارة النفط إلى إبرام أنواع من العقود البرية والبحرية والجوية، لكن التعثر كان سيّد الموقف، فالحديث عن العقود مع الأردن بعد افتتاح المعابر كأنه لم يكن بسبب التدخل الأميركي المباشر الذي أعاق أكثر من عقد”.

وأضافت، أن الحديث عن العراق له خصوصيته في هذا الإطار، فعراق اليوم ليس هو عراق الأمس الذي يذكرنا التاريخ بأنه كان يتلازم مع سورية بقيام اتحاد اقتصادي، عراق اليوم عراق مُعاقب ومحاصر، فعندما يتم الحديث عن 100 صهريج قادمة عبر العراق، فهي غير كافية لتغطية نصف يوم من الاحتياجات، إضافة إلى أن هذا العدد من الصهاريج يحتاج إلى يومين كي يعبر من المعابر التي تعمل عليها سورية”.

ولفتت، إلى أن” مصر”، قد أُخرجت من المعادلة الاقتصادية منذ نجح كيسنجر في إخراجها من دائرة دول المواجهة مع إسرائيل، والنتيجة أن جميع العقود تُعاني التعثر بسبب العقوبات أو بسبب الجانب (الفني) الذي يُعوق وصولها”.
وفي هذا الصدد، قال “طويل”: إن النظام على ما يبدو متجه لاستيراد مادة البنزين من الدول المجاورة ومنها “لبنان” وبالتالي بيعها بالسعر الحر الذي يصل إلى 600 ليرة سورية للتر الواحد.

ويرى “طويل” أن النظام وفي ظل بداية أزمة المحروقات الحالية، إضافة لأن وزير النفط بحكومة النظام كان يتحدث عن الدعم وأليات الدعم وايصال الدعم لمستحقيه بالنسبة للمشتقات النفطية، كما أننا شاهدنا قبل عدة أيام أن سعر لتر البنزين الحر وصل بالفعل إلى 600 ليرة سورية، كما أن هناك كازيات متنقلة للبيع، ومن يريد بنزين أو مازوت غير مدعوم بإمكانه اللجوء للحر، وبالتالي فمن الممكن أن يكون لدى النظام “خطة” من أجل تفاقم هكذا أزمة لرفع الدعم عن المشتقات النفطية نهائيا، وبالتالي يجبر الناس في مناطق سيطرته على شراء تلك المواد بالسعر الحر، بعدما شاهدوا الأزمات الحالية التي تحصل.

لا استيراد للمحروقات من مناطق المعارضة أو تركيا
وفي وقت ذكرت فيه صحيفة “الوطن” أن توريدات النفط تدنت بشكل حاد جداً، واليوم يتم العمل للوصول إلى عتبة 50% لتلبية احتياجات مادة البنزين أو المازوت، من أجل ذلك، تسعى وزارة النفط إلى تعزيز توريد النفط من المنطقة الشمالية من خلال زيادة الإنتاج المحلي، يرى مراقبون أنه ربما تسعى جهات متعاملة مع النظام لمحاولة الحصول على المشتقات النفطية من مناطق سيطرة المعارضة في الشمال السوري.

وفي هذا الصدد، استبقت فصائل المعارضة أي خطوة ينوي النظام القيام بها للاستفادة من مواد المحروقات من مناطقها في الشمال السوري، وأصدر “الجيش الوطني السوري” التابع للجيش الحر تعميما يمنع نقل الوقود والمشتقات النفطية إلى مناطق النظام، بهدف منع النظام من الاستفادة منها في الخروج من أزمته الراهنة.

ورجحت مصادر أن تكون زيارة وزير خارجية إيران “جواد ظريف” إلى أنقرة أخيرًا، تأتي في سياق محاولة التوسط للسماح بمرور شحنات الوقود من إيران عبر تركيا ومنها للشمال السوري وصولا لمناطق النظام، للتخفيف من أزمة المحروقات الخانقة التي يعانيها النظام.

إلا أن مصادر إعلامية نقلت عن الرئاسة التركية تأكيدات “بعدم وجود اتصالات مع النظام السوري، وأن زيارة وزير الخارجية الإيرانية إلى أنقرة ليست لإجراء وساطة بين تركيا والنظام السوري، ولا يوجد مساعٍ من هذا القبيل”، دون كشف أي معلومات عن تفاصيل أوفى حول ماهية تلك الوساطة.

ويرى الصحفي الاقتصادي “سمير طويل”، أن النظام لا يمكن أن يستورد المشتقات النفطية من تركيا لان ذلك صعب جدا، إلا إذا تم عن طريق وسيط إيراني وليس عن طريق النظام بشكل مباشر، وأضاف، أننا شاهدنا قبل فترة كيف كان النظام يصادر البضائع التركية من الأسواق السورية، وكيف كان يفرض حصار شديد على المدنيين بمنطقته، وخاصة على من يستخدم البضائع التركية سواء بشكل مهرب أو بشكل مباشر.

موجات سخرية واحتجاج لن ترقى لثورة جياع

وأدت أزمة المحروقات تلك، إلى تصاعد موجة السخرية والاستهزاء على صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي حتى من الموالين لنظام الأسد، في حين عمد إعلام النظام إلى محاولة تصوير أن السوريين في مناطق النظام ورغم تلك الأزم إلا أنهم مصرون على تحدي تلك الظروف على حد زعمه، من خلال النزول إلى أماكن طوابير السيارات التي تنتظر على أبواب الكازيات واجراء لقاءات مع السائقين، في مشهد لا يخلو من محاولة التلميع والتطبيل لصالح النظام وحكومته.

وقال “طويل”: على الرغم من موجات السخرية من قبل الناس على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أننا لم نرَ أي تحرك شعبي أو ثورة جياع أو حتى ثورة ناس محتاجة لمادة بالمعنى الحقيقي ضد النظام، فعلى ما يبدو أن الناس قد تأقلمت على هذا الوضع، وكلما تأتيها الأزمات فإنها تبقى بحالة سكون دون أن يكون هناك أي انفجار في وجه الأزمات المعيشية.