السياسة الأمريكية في سوريا.. تغير في الاستراتيجية أم حماية للمصالح؟

يرى مراقبون أن سياسة اللامبالاة الأمريكية وخلط الأوراق في المنطقة هي المعتمدة في الاستراتيجية الأمريكية الحالية، في ظل ضبابية الموقف خاصة فيما يتعلق بملف القضية السورية والدفع باتجاه حل سياسي وفق القرارات الدولية والأممية.

في حين، توقع محللون سياسيون ألا يكون هناك تغييراً جذرياً في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من إعلان انسحاب قواتها من سوريا وتخفيض عدد قواتها في المنطقة، لافتين إلى أنه من الممكن اعتبار ما يجري هو تغيير في الآليات اللازمة لحماية المصالح الأمريكية والأمن القومي لها.

وهنا يطفو على السطح عدة تساؤلات حول الآليات اللازمة لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة؟ وبالتالي ما هي المعايير التي ستعتمد عليها في ذلك؟ وأيضًا ما هي استراتيجيتها بخصوص الحد من النفوذ الإيراني والقضاء تماما على داعش؟

أمريكا باقية على مرمى حجر من سوريا

وما بين عزم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” سحب قوات بلاده من سوريا بناء على “تغريدة” بحجة أن الحرب على “داعش” انتهت ما جعل العديد من الأطراف تعيد حساباتها في المنطقة، وبين تراجعه عن هذا الطرح وتبني سياسة الانسحاب البطيء والذكي، الأمر الذي يبين بوضوح مدى تشكيك المحللين بسياسة الإدارة الأمريكية الحالية التي تحركها “تغريدات” ترامب الفجائية.

الكاتب والمحلل السياسي “أحمد مظهر سعدو” قال: عندما أعلنت الإدارة الأميركية الانسحاب من الجغرافيا السورية، والتي جاءت إبان الكثير من الإشارات حول الموضوع ذاته، منذ آذار/ مارس 2018. لكن الإعلان اليوم جاء جديًا وعمليًا، دون تسويفات أو تلكؤ، كما ترافق مع محادثة هاتفية طويلة بين “ترامب” والرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، متعلقة بما أعلنت عنه تركيا عن نيتها الدخول إلى شرق الفرات وإنهاء حالة إرهاب ال (ب ي د)، ويبدو أن جدية الولايات المتحدة الأميركية هذه المرة، والتي تبعها بعض التريث الزمني، ستكون بطيئة وغير متعجلة.

وتابع بالقول: وبكل تأكيد تأخذ بنظر الاعتبار كل المصالح الأميركية في المنطقة عمومًا، إذ أنها حتى لو خرجت عسكريًا من سورية، إلا أنها باشرت فورًا في إقامة قاعدتين عسكريتين أميركيتين جديدتين في الأراضي العراقية، وعلى مقربة كبيرة من الحدود السورية، وهذا يؤكد أن الأمريكان سيبقون على مرمى حجر من الأراضي السورية، بمعنى أن وجودهم ما يزال قاب قوسين أو أدنى من كل الجغرافيا السورية، ومن مصالح الإدارة الأميركية عند الضرورة، كما أن المشاركة الأميركية في التحالف الدولي، والعمليات التي تنفذ طيرانًا ضد أهداف ما داخل الأراضي السورية باقية وتتمدد.

ويرى ” مظهر سعدو” أن المصالح الأميركية ستبقى محمية من خلال قرب القواعد العسكرية الأميركية من الحدود السورية، وأيضًا التغطية الجوية الكبيرة والسريعة لكل الجغرافيا السورية. إضافة إلى الدور الإسرائيلي في ضرب كل ما يقلق أمن إسرائيل أو أمن الأمريكان عند الضرورة، وبصمت وتوافق روسي ضمني، وهو ما شاهدناه مؤخرًا عبر تجدد الغارات الإسرائيلية على غير موقع لحزب الله أو إيران داخل الأراضي السورية. بمعنى أن الاستراتيجيات الأميركية في إخراج الإيرانيين مازالت مستمرة لكن بطرق أخرى، قد يكون منها التوافق مع الروس على ذلك، علاوة على توافقات أخرى مع جهات ثانية، على حد تعبيره.

وأضاف، أن الدولة التركية ضمنت كذلك محاربة ومتابعة استئصال ليس (ب ك ك) فقط، بل أيضًا بقايا (داعش) في الأراضي السورية، وهو ما جرى الحديث عنه مباشرة بين الرئيسين الأميركي والتركي. حيث للأتراك تجربة ناجحة في ذلك خلال عملية درع الفرات.

مصالح أمريكية إسرائيلية على الأرض السورية

وبحسب “مظهر سعدو” فإنه من الواضح أن الأمريكان لم يكونوا يومًا مهتمين أو جديين في الوقوف إلى جانب ثورة الشعب السوري، وكان آخر همهم هو نجاح هذه الثورة ضد بشار الأسد وسلطته المجرمة الذي أمَّن لهم أمن إسرائيل عبر عقود خلت، ومن ثم فإن الاستراتيجيات الأميركية متواصلة من أجل مصالح (أميركية إسرائيلية) ليس إلا، وغير معنية بمقتل ما ينوف عن مليون سوري على أيدي الاجرام الأسدي أو الإيراني أو الميليشياتي الطائفي، وغير مهتمة باعتقال أكثر من 400 ألف سوري في سجون الأسد، وتهجير أكثر من نصف الشعب السوري داخليًا وخارجيًا.

ولفت، إلى أن خطوات الإدارة الأميركية تتواصل اليوم، وفق توافقات أميركية /روسية أو غير روسية، حتى لو كانت مع الإيرانيين، إذ لا مبدئية في السياسة الأميركية ولا الإيرانية، ويمكن أن نشهد في المستقبل المنظور الكثير من ذلك، بعد أن فاحت روائح اتفاقات تحت الطاولة بين الإيرانيين والإسرائيليين والأمريكان عبر الوسيط العماني القابوسي.

سياسة المراوغة والخداع  وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية كشفت في تقرير لها صدر، الأربعاء 9 يناير/كانون الثاني الحالي، عن محاولات أميركية تجري خلف الكواليس بهدف تأخير الانسحاب من سورية.

رئيس هيئة الإنقاذ السورية المحلل السياسي “أسامة الملوحي” كان له رأي آخر فيما يخص استراتيجية أمريكا في سوريا وخاصة الانسحاب منها، واصفًا بأن الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية ما هو إلا خدعة.

وقال “الملوحي”: إذا أخذنا بمجمل المعلومات التي وردت على ألسنة الأمريكان أنفسهم وتصريحاتهم بما فيها تصريحات ترامب والتراجعات والتغيرات والتحويرات، سنجد أن هذا الانسحاب فيه خداع للأتراك وللجميع فأمريكا تخادع.

وأضاف، أنه عندما تتكلم أمريكا عن 2000 جندي فقط وتتكلم في البداية عن 60 يوم ثم 100 يوم ثم 4 أشهر لسحب جنودها علمًا أن سحبهم ربما لا يستغرق أجزاء من الساعة فإن أمريكا تراوغ، وعندما تقول بأنها ستحمي قوات “قسد” ولن تسمح بالتعرض لهم وهذا ربما أيضًا يعتبر تغييرًا أو ارتدادًا عن التصريح الأول الذي يتكلم عن الانسحاب، وبالتالي فإن الحديث عن الانسحاب ببطء ما هو إلا مراوغة أمريكية.

وأشار” الملوحي” إلى أنه ووفقًا للخريطة الاستراتيجية والعسكرية فإن أمريكا حتى ولو انسحبت فإنها ستكون في الجوار وقريبة جدًا وقال: هناك أكثر من 5 قواعد قريبة جدا من المناطق التي ستنسحب منها أمريكا، فهناك 5 قواعد في العراق منها قاعدة في “سنجار” وقاعدة في “سد الموصل” وقاعدة في “الكيارة”، وهناك 5 قواعد أخرى في “كردستان” وهي على تواصل مع مناطق القامشلي، وأيضا عبر الطائرات تستطيع أمريكا إعادة ألاف الجنود إلى قواعد مختلفة أو أماكن مختلفة داخل سوريا.

ويرى “الملوحي”، أن هذا الانسحاب هو لإرضاء تركيا من جهة ولخداعها من جهة أخرى، وذلك عبر تأخير العمليات العسكرية التركية التي كانت على وشك أن تبدأ شرق الفرات، لذلك قام الأمريكان بهذه الخدعة التي تعطيهم الوقت لمزيد من المراوغة والتصريحات المبهمة والمطاطة.

تحجيم للدور الإيراني وليس إضعافه

ولفت المحلل السياسي، إلى أن التعامل مع أمريكا أمر معقد وغير مضمون على الاطلاق، فلا يمكن الاعتماد على التصريحات ولا حتى على الضمانات التي تعطيها أمريكا إن كان لتركيا أو حتى للأكراد أنفسهم، فالأكراد خدعوا وورطتهم أمريكا بمساحات شاسعة لا يستطيعون الإمساك بالأرض فيها لأن عددهم لا يكفي، وكل العمليات الجوية كانت تمهيدية لدرجة كبيرة لدخول الميليشيات الكردية لمناطق شبه خالية.

وفيما يخص استراتيجية أمريكا تجاه “إيران”، أوضح “الملوحي” أن المشهد في العراق واضح يفضح العلاقة الأمريكية الإيرانية إن كان بشكل غير معلن أو بشكل توافق بدون لقاءات، مضيفًا أن هناك انسجام كامل في العراق بدليل أن الميليشيات التابعة لقاسم سليماني والحشد الشعبي دخلت “كركوك” تحت حماية الطيران الأمريكي، في حين تخلت أمريكا وقتها عن “البرزاني” حليفها القديم و انحازت الى “قاسم سليماني” الذي دخل كركوك بنفسه وهناك تفاصيل كثيرة بهذا الخصوص.

وأعرب “الملوحي” عن اعتقاده بأن أمريكا لا تريد فعلا اضعاف دور إيران في المنطقة، فربما يكون الأمر عبارة عن تحجيم بسيط أو تقليم أظافر، وذلك يأتي ربما استجابة للسعودية التي قبضت منها أمريكا أموالًا هائلة من أجل تحجيم إيران أو الضغط على ايران، ولكن الصراع ضد إيران من قبل أمريكا ما يزال حبرًا على ورق ولا وجود له إلا بالتصريحات، بينما موقف “إسرائيل” يختلف فهي لا تريد وجود سلاح استراتيجي حول حدود إسرائيل وصراعها مع حزب الله في السابق يجعلها تحاول ضرب كل الأسلحة والمواقع التي فيها أسلحة من الممكن أن تخشى منها على المدى البعيد.