بعض الدول العربية تهرول للتطبيع مع الأسد.. وإيران تتمدد في المنطقة

يطفو على سطح القضية السورية الأحداث المتعلقة بمساعي بعض الدول العربية لإعادة علاقاتها مع نظام الأسد، الأمر الذي أثار تساؤلات عدد من المراقبين والمحللين السياسيين عن السبب الرئيس الذي يدفعهم لذلك.

وأعادت الإمارات مع نهاية 2018 فتح سفارتها في العاصمة السورية دمشق، بعد إغلاق دام 7 سنوات، في حين أعلنت البحرين في التوقيت ذاته استمرار العمل في سفارتها لدى سوريا، واستمرار الرحلات الجوية بين البلدين، بحسب ما أعلنته مصادر دبلوماسية إماراتية وبحرينية.

وأدانت عدد من الفعاليات المدنية والثورية والسياسية تلك الخطوات التي تقوم بها بعض الدول العربية والرامية لإعادة التطبيع مع النظام، معتبرة أن عودة العلاقات الدبلوماسية مع النظام ليست في مصلحة الشعب السوري الرافض لوجود الأسد، بل تصب في مصلحة الأسد وداعميه وفي مقدمتهم إيران.

محاولات التطبيع مع النظام لن تغير من حقيقة إجرامه:

وكانت جامعة الدول العربية، منذ العام 2011، دعت إلى تعليق عضوية النظام بسبب ممارساته بحق الشعب السوري، كما دعت إلى سحب جميع سفرائها من دمشق، ما جعل نظام الأسد في عزلة سياسية ودبلوماسية واضحة.

عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني المعارض “يحيى مكتبي” قال لسوريا 24: إذا كان هناك بعض الدول سواء عربية أو غيرها تسعى لإعادة تأهيل بشار الأسد، فيجب أن يعلم الجميع أن هذه المحاولة لتأهيل بشار الأسد تعني مزيد من النفوذ والتحكم للمشروع الإيراني العابر للحدود، الذي يعيث فسادا في المنطقة ويزرع الفتن ويزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة عمومًا وبشكل خاص في سوريا.

وأعرب “مكتبي” عن أسفه من محاولات بعض الدول المساهمة في إعادة تأهيل نظام الأسد وقال: عوضًا أن يكون لهذه الدول العربية دور في ممارسة ضغوط حقيقية والدفع بالعملية السياسية، من أجل فتح صفحة جديدة في تاريخ سوريا بعيدًا عن الإرهاب والاستبداد والقتل والموت تحت التعذيب والدمار والخراب والبراميل المتفجرة، فعوضًا عن ذلك نجدها على العكس تماماً تحاول أن تجمل الوجه الإجرامي لنظام الأسد.

وأكد “مكتبي” أنه لو “زار” الأسد كل رؤساء وزعماء وملوك الأرض فإن ذلك لن يغير في حقيقته أنه مجرم حرب، بل يجب أن يساق للمحاكم الدولية لينال جزاء ما اقترفت يداه هو وعصابته، ولن تغير هذه المحاولات لتأهيل بشار الأسد هذه الوقائع التي أثبتتها العشرات من التقارير الدولية عبر لجان تحقيق دولية حيادية، ارتكاب نظام الأسد لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية واستخدام للأسلحة الكيمائية وخاصة في المجزرتين الشهيرتين: مجزرة الغوطة في 21/8/2013 ومجزرة خان شيخون في نيسان عام 2018.

وتابع بالقول: إن هذا لن يتحقق بأي حال فالشعب السوري اتخذ قراره وبشار الأسد هو مجرم حرب وقاتل الأطفال في نظر شريحة واسعة من السوريين، ولن تعود سوريا الأسد التي أرادتها مافيا الأسد إلى ما كانت عليه قبل 2011 فهذا الأمر انتهى بشكل نهائي.

وشدد “مكتبي” في حديثه، على أن معركة الشعب السوري معركة طويلة ونظام الأسد الذي رفع طوال أربعين سنة جدران الخوف والإرهاب والرعب على المواطنين السوريين، سقطت هذه الجدران في عام 2011 إلى غير رجعة، لذلك نقول إن الشيء الذي يعود بالخير على السوريين وعلى المنطقة عموما هو أن تلجأ تلك الدول لدعم القوى الوطنية السورية عوضا من إعادة العلاقات مع بشار الأسد.

الهدف محاربة تركيا وليس إيران:

واعتبر الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة، على لسان نائب رئيس الائتلاف “ديما موسى”: “أن خطوات كهذه بالتأكيد ستعطي النظام وحلفاؤه دعماً أكبر لعدم الانخراط في أي مفاوضات سياسية”.

المحلل السياسي “سامر خليوي” رأى أن الدول التي أعادت علاقاتها مع نظام الأسد هي بالأساس لم تقطعها ولَم تكن داعمة للشعب السوري وثورته وإنما كانوا داعمين للأسد المجرم، وما حصل الآن هو كشف هذه العلاقة.

وفيما يتعلق بتوقيت تلك الخطوات في هذا الوقت بالذات قال “خليوي” لسوريا 24: إن توقيتها الأن جاء من أجل محاربة تركيا لا كما يدعون أنهم أعادوا العلاقات مع الأسد المجرم من أجل وقف التمدد الإيراني، لأنهم لو أرادوا ذلك لكانوا دعموا ثورة الشعب السوري التي تحارب الوجود الإيراني بسوريا، خاصة إعلان نظام الأسد المجرم قبل وبعد إعادة العلاقات أنه لن يتخلى عن إيران، مشيرًا إلى أن إيران رحبت بعودة علاقات تلك الدول لأنها تعتبره نصرًا للأسد وفك العزلة عنه ودعمًا له.

ولفت “خليوي” في سياق حديثه، إلى أن كل تلك الدول تسبح بالفلك الأمريكي لأن قرارها ليس مستقلا ولكنه تابع دائما للأمريكي الإسرائيلي، وهم ليس سوى أدوات تنفيذية، ومن هنا فلا دور حقيقي لهم بالعملية السياسية أو غيرها، والذي يحصل الأن هو كشف عورة هؤلاء، معتبرًا أن هذا الأمر هو لصالح الثورة السورية حتى لا ينخدع بهم أحد مرة ثانية ويضروا الثورة السورية كما فعلوا بحجة مساعدة الشعب السوري، والذي اتضح الآن بأنه لصالح المجرم الأسد وإيران.

قطع العلاقة مع النظام كان شكليًا:

وفي تعليق منه على خطوات التطبيع من قبل بعض الدول العربية مع نظام الأسد أوضح الباحث والمحلل السياسي “سعد الشارع” أنه يجب التفريق بدايةً بين بعض الدول التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية والسياسية مع بشار الأسد تماشيا مع مطالب الثورة السورية والشعب السوري وردا على المجازر التي قام بها نظام بشار الأسد، وجمدت حتى العلاقات فيما بينها وقسم كبير من هذه الدول انتهجت هذا النهج منذ بداية عام 2012.

بينما هناك بعض الدول الأخرى، قد أُجبرت بطريقة أو أخرى على قطع علاقاتها مع بشار الأسد تماشيًا مع قرارات وتوجهات بعض الدول الأخرى، وأتكلم هنا عن دولة الإمارات التي قامت بسحب سفيرها مع باقي سفراء دول الخليج في شباط عام 2012 لكنها أبقت على علاقات اقتصادية وحتى سياسية بين البلدين، وشكلت الإمارات في فترة من الفترات ربما منفذًا وملجأ للاقتصاد السوري المتهالك، واستقبلت العديد من الشخصيات الموالية لنظام الأسد.

وأضاف، أن الكثير من الدول من بينها العراق ولبنان والجزائر قد قطعت علاقاتها بشكل شكلي مع نظام الأسد تماشيا مع قرارات جامعة الدول العربية، لكنها بالفعل أبقت على علاقات سرية فيما بينها وأعتقد أن الآن هي مرحلة إعادة إظهار هذه العلاقة بين الطرفين.

ويرى “الشرع” أن تلك الخطوات ربما تتماشى مع العرض الذي قدمته دول الخليج عبر رئيس السودان “البشير” الذي زار سوريا مؤخرا، والذي تضمن رسالة لبشار الأسد مفادها: “تخلى قدر ما تستطيع عن إيران مقابل إعادة تأهيل سياسي وإعادة كرسي جامعة الدول العربية”.

ولفت “الشرع” إلى أن الدول تبحث دائما عن مصالحها لدى الدول الثانية، ويجب ألا نعتقد أن هذه الدول عندما قطعت علاقاتها مع نظام الأسد كانت تريد مصلحة الشعب السوري، ولكن الأن الدول تعتقد أن مصالحها مع إعادة العلاقات مع نظام الأسد، فلكل دولة لديها مخاوف فالإمارات والسعودية تتحدثان عن مخاوف كبيرة من التغلغل الإيراني، وربما نشاهد في الفترة القادمة بعض الدول الأخرى تستعجل الوصول إلى دمشق وإظهار العلاقة مع نظام الأسد.

التطبيع مع النظام ضد إيران “مقاربة خاطئة”:

وأشار، إلى أن هناك مقاربة خاطئة وهي أن من يريد محاربة إيران يذهب لتطبيع العلاقة مع نظام الأسد، في حين أن إيران لديها توغل كبير في منطقة الجزيرة العربية في اليمن وفي البحرين، ولديها أذرع قوية في معظم الدول العربية ، وتابع بالقول: يجب ألا ننسى أن إيران استطاعت بالفعل مد ما يسمى الهلال الشيعي أي الطريق الذي يصل من طهران مرورا ببغداد فدمشق فبيروت على المياه الدافئة.

وأضاف، أن وصول إيران إلى هذا الطريق والى هذه العواصم لم يأت ضمن أيام، بل كان عمل على مدار سنوات حتى منذ بدء الثورة السورية 2011، وكان هناك صرخات ومناشدات من قبل الشعب السوري للحد من مد ذراع إيران في هذه المنطقة وتطويق العواصم العربية بذراع إيرانية جديدة، ولم تكن هذه الصيحات تلقى أي أذان صاغية تحديدا لدى دول الخليج.

وبيّن “الشرع” أن من يريد أن يقاتل إيران لا يذهب لتطبيع العلاقة مع نظام الأسد، فإيران موجودة في اليمن ومن يريد أن يضرب إيران فاليمن موجودة أمامه، ومن يريد محاربة إيران عليه أن يدعم الشعب السوري الذي ثار ضد إيران وحارب إيران وقدم الدماء والأشلاء في سبيل عدم استشراسها في هذه المنطقة، لذلك فإن ربط محاربة إيران من خلال تطبيع العلاقة مع النظام من قبل بعض الدول العربية هي مقاربة خاطئة.