طريق حلب غازي عنتاب.. اختبار حقيقي للعلاقة بين روسيا وإيران

عادت المفاوضات بين تركيا وروسيا حول إعادة فتح طريق حلب غازي عنتاب الدولي، الذي تم إغلاقه في عام ٢٠١٢ عقب سيطرة الجيش السوري الحر على أجزاء واسعة من الطريق الممتد من مدينة إعزاز على الحدود التركية وحتى حي الليرمون المدخل الشمالي لمدينة حلب.

ثلاث قوى مختلفة الأهداف والرايات تدعمها قوىً إقليمية ودولية، تتقاسم السيطرة على الطريق اليوم، حيث تُسيطر فصائل المعارضة على القسم الممتد من دوار الليرمون حتى بلدة بيانون في ريف المدينة الشمالي، بمسافة تُقدر ب 17 كم.

ثم تفصله سيطرة المليشيات الموالية لإيران المتمركزة في مدينتي نبل والزهراء وتسيطر على مسافة 8 كم من الطريق وهي المسافة المواجهة للمدينتين، تليها سيطرة الوحدات الكردية على 3 كم من الطريق، وتبدأ من بلدة منغ مروراً بمدينة تل رفعت وصولاً إلى قرية مرعناز المتاخمة لمدينة إعزاز، ثم تعود السيطرة لفصائل المعارضة على القسم المتبقي في نهاية الطريق الممتد من نهاية قرية مرعناز حتى معبر باب السلام الحدودي.

وسط هذا التباين في السيطرة واختلاف أهداف القوى المحلية والقوى الداعمة لها، لا تبدو مهمة الوصول إلى اتفاق بين المتصارعين بالسهلة، وإن كان الموقف الروسي والتركي أقرب لتطابق المصالح ووجهات النظر في الوصول لاتفاق يقضي بإعادة تفعيله.

بينما تختلف أهداف إيران بالمطلق مع الطرح الذي يُفضي إلى فتح الطريق بالصيغة المتداولة، وهي إخراج المقاتلين الموالين لإيران من بلدتي نبل والزهراء وتسيير دوريات روسية تركية على طول الطريق.

هذا الطرح ترفضه إيران جملة وتفصيلاً وتصرّ على بقاء نفوذها ومليشياتها في هاتين المدينتين والبلدات والقرى الأخرى التي تمكنت من السيطرة عليها الواقعة على طريق إمداد المدينتين في معارك فك الحصار عنهما شتاء عام 2016.

تعود نقطة الخلاف الأساسية بين تركيا وإيران حول المنطقة إلى العام الماضي حينما أطلقت تركيا معركة “غصن الزيتون”، التي أفضت إلى السيطرة على مدينة عفرين بتوافق روسي تركي وغضب إيراني ظهر جلياً من خلال مشاركة مليشيات إيران إلى جانب الوحدات الكردية في التصدي لقوات المعارضة والجيش التركي، قُتل على إثرها العشرات من مقاتلي نبل والزهراء المنضوين تحت مسمى “حزب الله السوري”.

إلى جانب ذلك ساهمت إيران بتغطية إعلامية مكثفة في عفرين ساندت من خلالها الوحدات الكردية في حربها الإعلامية، عبر تواجد مراسل قناة الميادين على مدار الساعة، متنقلاً بين قرى ومدن عفرين يبث إعلانات النصر الوهمية، في الوقت الذي كانت تتساقط فيه المناطق بيد قوات المعارضة والجيش التركي واحدة تلو الأخرى.

بعد السيطرة على عفرين حاولت تركيا إرضاء إيران بتخليها عن بعض القرى الكردية المتاخمة لبلدتي نبل والزهراء كحزام أمني يفصل بين سيطرة المعارضة ومقاتلي البلدتين، لكن بخسارة عفرين أدركت إيران أنها خسرت العمق الاستراتيجي لمواقع سيطرتها وباتت قوات المعارضة تطوق المدينتين من جميع الجهات باستثناء ممر ضيق لا يتجاوز عرضه 10 كم مهددة بخسارته في أي لحظة.

وفي الوقت ذاته، أبقت روسيا على الفارين من مقاتلي الوحدات الكردية في مدينة تل رفعت وبعض القرى الصغيرة المحيطة بها والمحاصرة بشكل كامل، وكان بمقدور روسيا إنهاء تواجد المسلحين في المنطقة ونقلهم إلى شرق الفرات كما فعلت مع آلاف العناصر الفارين من عفرين.

لكن إبقاء روسيا لهذه القوات الصغيرة في المنطقة وتدعيمهم بدوريات روسية كان الهدف منه كما يبدوا جلياً، منع تمدد المليشيات الإيرانية إليها لتكون المنطقة قابلة للمساومة مع تركيا مرة أخرى على أهداف تخدم مصالحها.

وسط هذه التجاذبات والخلافات وتناقض المصالح في أكثر المناطق تعقيداً، يعود طرح مسألة فتح الطريق من جديد، في وقائع وأحداث تُشبه إلى حد بعيد عملية السيطرة على مدينة عفرين بتوافق روسي تركي ومعارضة إيرانية شديدة، لا يبدو أن هناك ما يجمع الفرقاء الثلاثة، فأي اتفاق على فتح الطريق لا بد أن يكون أحد الأطراف خاسراً بالمطلق.

ربما ستكشف الأيام المقبلة عمق الخلاف الروسي الإيراني بشكل واضح في حال قررت روسيا إعطاء الضوء الأخضر لتركيا بالسيطرة على كامل الطريق، وسيتحول الخلاف بينهما من مجرد تحليلات إلى واقع ملموس، إيران التي تستميت في الإبقاء على مواقعها شمال حلب باتت مهددة في أي تقارب روسي تركي يخص المنطقة، وسيكون فتح طريق غازي عنتاب الاختبار الحقيقي لمدى سوء العلاقات بين الروس والإيرانيين.

ويعتبر طريق غازي عنتاب الذي يصل حلب مع تركيا، عبر معبر باب السلامة الحدودي، من أهم الطرق التجارية بين البلدين.