ماذا تريد روسيا من قصف إدلب وما علاقة طريق دمشق الدولي؟

سبع سنوات مضت على إغلاق أكثر الطرق الدولية استراتيجية، الواصل بين أوروبا ومنطقة الخليج العربي، والشريان الرئيسي الذي يصل بين غالبية المحافظات السورية محلياً، بما فيها العاصمتين السياسية والاقتصادية (دمشق – حلب) مروراً بإدلب وحماه وحمص وصولاً إلى معبر نصيب على الحدود الأردنية.

طريق دمشق حلب الدولي أو ما يُعرف برمز m5 الذي جزأته الحرب السورية بين أطراف النزاع، وتبدلت فيه نسب السيطرة طيلة السنوات الماضية، لتستقر أخيراً على نسبة أعلى لصالح نظام الأسد، عقب تراجع المعارضة عن أجزاء واسعة منه في حمص والقلمون ومدخل دمشق جراء التدخل الروسي، إلا أن بقاء سيطرة المعارضة على الجزء المتبقي من الطريق الممتد من مدخل مدينة حلب من الجهة الغربية حتى بلدة مورك في ريف حماه، أبقت وضع الطريق مغلقاً على ماهو عليه.

ملف الطرق الاستراتيجية كان محور اهتمام الدول المعنية بالشأن السوري الداعمة للقوى المسيطرة على الأرض، برز ذلك مبكراً في العديد من الاجتماعات التي أجرتها تلك الدول على رأسها اجتماعات الأستانة، التي بدأت تداول ملف الطرقات في اجتماعها السادس أو ما يعرف بأستانا 6 وبات الحديث أكثر جدية عقب سيطرة روسيا على معبر نصيب الحدودي مع الأردن.

تكمن أهمية الطريق بالنسبة للدول الراعية في العمل على إعادة تنشيط حركة التجارة الدولية على أكثر الطرق حيوية، وأقصرها مسافة ، مما قد يساهم في تحسين الوضع الاقتصادي، ويخفف من تكاليف نقل البضائع ويختصر مسافات واسعة، وهي مصالح مشتركة بين القوى المحلية والدولية الداعمة لها.

فالنظام السوري المتهالك اقتصادياً والذي يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، يرغب في إعادة الحركة الاقتصادية على الطريق، ليؤمن السلع والبضائع التي باتت شبه مفقودة في الأسواق، كذلك المعارضة تريد تحقيق الفائدة من خلال تأمين الدعم الاقتصادي والاستقرار الأمني وتوفير فرص العمل.

أولى الخطوات التمهيدية لمفاوضات فتح الطريق بين تركيا وروسيا تمثلت باتفاق الجانبين على وقف الأعمال القتالية في إدلب، ونشر تركيا لنقاط المراقبة على طول الطريق، تلاه اتفاق إخلاء بلدتي الفوعة وكفريا المواليتين لإيران من ريف إدلب، وآخرها تسيير دوريات تركية على طول الطريق في المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة.

بينما تمثلت الخطوات الروسية في إحكام سيطرتها على جيوب المعارضة المحاصرة الواقعة على الطريق الدولي في ريف حمص الشمالي والقلمون ثم السيطرة على مدينة درعا ومعبر نصيب، ولعل الخطوة الأبرز لروسيا كانت إبعادها للمليشيات الموالية لإيران عن الطريق، التي كانت تتمركز في محيط بلدتي صوران ومورك وإحلال مكانها وحدات من جيش الأسد تُدين بالولاء لروسيا.

كل تلك الخطوات أدت إلى فتح جزئي للطريق عبر معبر مورك، ولكنها لم تفضِ إلى اتفاق نهائي على فتح كامل للطريق حتى اللحظة، لاتزال العديد من القضايا التي تثيرها روسيا وتعتبرها بمثابة العقبات التي تَحُول دون تحقيق اتفاق نهائي لفتح الطريق.

تكمن هذه القضايا في إصرار روسيا الحثيث على تسيير دوريات مشتركة مع تركيا في القسم الخاضع لسيطرة المعارضة، وهو ما ترفضه الفصائل العسكرية بالمطلق، إضافة إلى مرور الطريق في مدن وبلدات هامة ذات ثقل ثوري كمعرة النعمان وسراقب وخان شيخون، وهو ماتراه روسيا عائقاً آخر أمام مطلبها بتسيير الدوريات المشتركة، لذلك لجأت روسيا إلى القصف المكثف على هذه البلدات لتهجير الحاضنة الثورية وإفراغ المدن من سكانها، حيث قتل النظام وروسيا خلال القصف الذي استهدف مناطق متفرقة في حلب وإدلب وحماة، أكثر من 100 مدني معظمهم من النساء والأطفال، بغيةوإجبار فصائل المعارضة على الرضوخ لمطالبها.

لا يبدو أن هناك أي نية روسية لتحرك عسكري بري، فنقاط المراقبة التركية الممتدة في العمق تُوحي بأن هناك اتفاقاً على هذه الحدود التي رُسمت في اجتماعات أستانا، وخطة الروس هي الضغط على المعارضة عبر القصف المكثف للقبول بطرحها الذي يُفضي إلى تسيير دوريات مشتركة مع تركيا على طول الطريق، بالمقابل خرجت إيران من معادلة التأثير في هذا الملف بعد سحب مليشياتها من بلدتي الفوعة وكفريا وإبعادها أيضاً عن المناطق المتاخمة للطريق في ريفي حماه وحمص، إلا أنها تُحاول أن تفرض وجودها عبر الإيعاز لبعض الوحدات الموالية لها في جيش الأسد بالقصف المدفعي والصاروخي على مواقع سيطرة المعارضة لتحقيق بعض المكاسب.

أمام هذا التعنت الروسي بالطلب وإصرار فصائل المعارضة على رفضه ومعارضة تركيا الشديدة للحل العسكري، لايبدو أن هناك اتفاقاً قريباً على فتح الطريق إلا بتنازل أحد الأطراف للآخر أو إيجاد حلول وسطية ترضي جميع الأطراف وهي لازالت غائباً حتى اليوم.