عقوبات أوروبية تطال رؤوس الأموال الداعمة للنظام.. كيف يلتف عليها الأسد؟

في خطوة تزامنت مع الأزمة المعيشية التي تشهدها مناطق سيطرة نظام الأسد في سوريا، طفى على سطح تلك الأحداث تحرك دولي من خلال فرض الاتحاد الأوروبي، الاثنين الماضي، قائمة عقوبات اقتصادية طالت رؤوس أموال وشركات داعمة لرأس النظام بشار الأسد.

 

وشملت قائمة العقوبات الاقتصادية الأوروبية ضد نظام الأسد، 5 شركات ومؤسسات سورية، و11 رجل أعمال، من الداعمين الرئيسيين لبشار الأسد، نظراً لصلاتهم المُقرّبة من نظام الأسد ونشاطاتهم التي تصب في خدمته، ومن تلك الأسماء: سامر الفوز، وحسام القاطرجي، ونادر قلعي، ومعن رزق الله هيكل، وخالد الزبيدي، وحسان قدور، وبشار عاصي، ومازن الترزي، وأنس طلس، وخلدون الزعبي، وحسان قدور.

 

وبحسب موقع “اقتصاد”، فإن رجل الأعمال “حسام القاطرجي” عُرف بدوره في صفقات النفط والغاز بين تنظيم داعش وبين نظام الأسد، والذي توسعت نشاطات عائلته بصورة كبيرة، مؤخراً، خاصة في مدينة حلب.

 

في حين وصف المصدر ذاته، رجل الأعمال “سامر الفوز” بأنه مُثير للجدل، والذي توسعت نشاطاته الاستثمارية بصورة أثارت الكثير من التساؤلات، ودفعت المراقبين إلى اعتباره واجهةً لأشخاص متنفذين داخل نظام الأسد.

وبحسب بيان الاتحاد الأوروبي، فإن هؤلاء المُعاقبين يتربّحون من خلال علاقاتهم بنظام الأسد، بعد منحهم تسهيلات خاصة، ويقومون هم بدورهم، بتقديم الدعم المالي وغير المالي لمؤسسات نظام الأسد المختلفة.

 

وحسب نص قرار الاتحاد الأوروبي الذي أشار إلى أن الكيانات والأشخاص المعاقبين، استثمروا أموالهم في الأراضي التي صادرها النظام السوري من الأشخاص السوريين النازحين أو المهجرين بسبب النزاع في سوريا، مما سيمنع هؤلاء السوريين من العودة إلى ديارهم.

 

وتقضي العقوبات بتجميد أصول أموال الشخصيات المشمولة بها، ومنع الدخول إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، وحظر التعامل مع الهيئات والشركات المُعاقبة.

 

وتزامنت تلك العقوبات، مع مصادقة الكونغرس الأميركي بالإجماع، قبل أيام، على ” قانون سيزر” وفرض عقوبات جديدة على نظام الأسد وكل من يتعامل اقتصاديا معه أو يموله أو يوفر طائرات للخطوط الجوية السورية أو قطع غيار، أو يلعب دوراً في مشاريع الإعمار التي يديرها النظام أو يوفر الدعم لقطاع الطاقة.

 

تُجار النظام واجهات لقوى اقتصادية أخرى

 

ويطرح توقيت تلك العقوبات موجة من التساؤلات حول الأسباب التي تقف وراء تلك العقوبات وفي هذه الفترة بالذات؟ وهل الهدف من وراء ذلك تهيئة الوضع لإزاحة الاسد ونظامه؟ وهل سيكون بمقدور الأسد الالتفاف عليها؟

 

رئيس “مجموعة عمل اقتصاد سوريا”، الدكتور “أسامة قاضي” وفي قراءة موسعة للمغزى المراد من تلك العقوبات قال لـ SY24: إن “هذا دلالة على الهوة بين المشرّعين والسياسيين في أمريكا وأوروبا، فبينما النظام التشريعي والقانوني والإنساني يثابر بالمطالبة بحقوق الشعوب ويُصدر القرار تلو القرار، يقوم السياسيون بصفقات سياسية في اتجاهات ليست بالضرورة تنحو نفس المنحى” فأحياناً يتطابق المساران وأحيانا يتقاطعان في ظروف خاصة وأحيانا تجد تناقضا صارخاً بين المسار السياسي والقانوني-الإنساني”.

 

وتابع بالقول: إن فرض عقوبات بسبب الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في سوريا لم يتوقف منذ 2011، وآثاره محدودة على بعض الشركات وكذلك الشخصيات المُعاقبة، لأنهم ببساطة واجهات لقوى اقتصادية أخرى، فسرعان ما يتغير اسم “الواجهة” المختصة بغسيل الأموال لتجد طريقا للاستثمار في دول العالم، مستفيدين من أجواء الحرب الباردة جدا على الأرض السورية، فدول مثل روسيا وبيلورسيا وبعض الدول “الصديقة” للنظام السوري تستقبل استثمارات رجال أعمال معروفين بصلاتهم العضوية مع النظام رغم وضع العقوبات عليهم”.

 

عقوبات اقتصادية أم بازار سياسي؟

 

إلا أن “قاضي” قلّل من أن يكون لتلك العقوبات أي أثر وقال: “أعتقد أن أثر فرض هذه العقوبات محدودة بسبب عدم توفر الإرادة السياسية الحقيقية في إنهاء النظام السوري، وأثرها إعلامي يرسل رسائل مفادها أن الدول لاتزال بإمكانها ممارسة ضغوط اقتصادية على النظام السوري، وقد تعطي أحياناً رسائل متناقضة مع واقع المزاج السياسي”.

 

وأضاف “أن هذه العقوبات الاقتصادية تضاف إلى باقي أوراق الضغط السياسي لفرض واقع البازار السياسي، وواقع الأمر أن المراقب يكاد يفقد الثقة بأية قرارات دولية تصدر دون ترجمة فعلية لمزاج سياسي جديد، خاصة بعد تعطيل سبعة قرارات أممية من مجلس الأمن وعلى رأسها القرار 2254 الذي لم يطبق منه ولا حرف ولا حتى الإغاثي فضلًا عن السياسي رغم أنه صدر بالإجماع -بعد 12 فيتو روسي-من أقوى مجلس في العالم لكنه بقي حبراً على ورق، وتم استبداله بمسار آستانا.

 

وأشار، إلى أن واقع المزاج السياسي العالمي الحالي هو أقرب تكريس مناطق نفوذ خارج قرارات الأمم المتحدة ومسار جنيف، وبوادر تقسيم سوريا حاضرة بقوة، وكذلك إعادة تعويم النظام، خاصة أن الأمم المتحدة زودت ولاتزال النظام السوري ومؤسساته طوال السنوات الماضية بأكثر من 90 بالمائة من الإغاثات المخصصة لسوريا بحجة شرعيته في الأمم المتحدة، رغم أنه مرّ وقت كان هنالك أكثر من عشرين منطقة يحاصرها النظام وتتضور جوعاً والأمم المتحدة لم تتوانَ عن تسليم إغاثات بمليارات الدولارات، وإن الولايات المتحدة التي امتنعت عن طرد ممثل النظام في الأمم المتحدة بحجة شرعيته، قامت في مارس 2018 بطرد أكثر من ستين دبلوماسياً روسيا وأمرتهم المغادرة خلال 48 ساعة رغم شرعية الدولة الروسية.

 

النظام سيستمر بالالتفاف على العقوبات

 

وفي ردّ منه على سؤال فيما إذا كان بمقدور الأسد الالتفاف على تلك العقوبات قال “قاضي”: القرارات الأخيرة لفرض عقوبات اقتصادية مثلها مثل القرارات السابقة ستكون عائقاً لأي عملية إعادة إعمار في مناطق النظام من قبل الشركات العربية والعالمية، ولكنها لن تمنع الشركات الايرانية والروسية والصينية الدخول لمناطق النظام لإعمارها.

 

وأضاف، أن بقية مناطق النفوذ التركي والأمريكي أصلا غير معني بهذه القرارات وهي تقوم بعمليات إعمار جزئية في مناطقها، وإن اجتماع 63 رجل أعمال مقربين من النظام مؤخراً وعلى رأسهم محمد حمشو – الموجود على قائمة العقوبات-وأربعة من أفراد عائلته إلى أبو ظبي للاجتماع مع غرفة تجارة أبو ظبي، هي نموذجاً للالتفاف الواضح على العقوبات، وهو انتصار إعلامي للنظام، وقد يتم ترجمته اقتصادياً.

 

ورأى “قاضي” أن هذه العقوبات الأخيرة قد تثني الشركات الإماراتية أو رجال الأعمال السوريين المقيمين في الإمارات من إقامة مشاريع إعمار في مناطق النظام، لكن محاولات الالتفاف من النظام ستستمر ويشجعها المزاج السياسي العالمي.

 

واعتبر أن ” قانون سيزر” الذي ينتظر موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي لا يمكن لوحدها أن تُسقط النظام السوري، فالعقوبات الاقتصادية شرط لازم ولكن غير كاف لإسقاط نظام ديكتاتوري يحكم بالحديد والنار، ومع تأخر الإرادة السياسية الدولية بحسم المسألة السورية سياسياً بشكل نهائي فإن عذابات السوريين ستستمر للأسف، والعقوبات الاقتصادية لوحدها لا تفيد في تخفيف معاناة أهلنا في الداخل، ولا تخفف معاناة 15 مليون من أخوتهم السوريين النازحين واللاجئين، وما مخيمات “عرسال والركبان” ومخيمات الشمال السوري التي ينفطر لها القلب عنا ببعيدة.

 

إيران المعلم الرئيس للأسد في الالتفاف على العقوبات

 

ويرى باحثون اقتصاديون، أن نظام الأسد ومن فترة 4 سنوات بدأ يقوم بإعادة ترتيبٍ لمكونات الاقتصاد السوري في الداخل السوري وبدأ بالحجز على أموال شركات كبيرة متل “غريواتي وحمشو والعنزروتي”.

 

الباحث الاقتصادي الدكتور “فراس شعبو” بيّن لسوريا 24، أن هذه الأسماء كانت عاملة في فترات سابقة في سوريا والنظام حاول بأخر فترة إعادة تنقية دماء رؤوس الأموال في الداخل السوري على أساس الولاء المطلق له، وأصبحنا نرى أسماء جديدة متل “سامر الفوز وأنس القطان والقاطرجي” والذين لعبوا أدوارًا كبيرة خلال فترة الثورة السورية لصالح النظام.

 

وتابع، أن النظام يطمح اليوم لأن يكون هناك أفراد مالكي رؤوس أموال تدعمه بشكل مطلق من دون أن يكون هناك أي مجال  للتعامل مع أي جهة أخرى تكون ضد النظام،  كما أن النظام يبحث اليوم عن مجموعة من رؤوس الأموال والشركات التي تحقق له نوع من التواصل مع العالم الخارجي لتأمين مصادر أموال، خاصةً بعد العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية على الاقتصاد السوري، فالنظام يطمح من خلال هؤلاء الأشخاص وهؤلاء الشركات الالتفاف على تلك العقوبات لتحقيق بعض مصادر الدخل للنظام، وهذا يتم برعاية إيرانية كونها المعلم الأساسي للنظام في الالتفاف على العقوبات الاقتصادية.

 

وفيما يتعلق بتوقيت تلك العقوبات الأوروبية على تلك الشخصيات والشركات، قال “شعبو”: إن “تلك العقوبات أتت للتأكد من عدم مشاركة رؤوس الأموال تلك في إعادة اعمار سوريا، خاصةً وأن الأمور بدأت تتجه نوعًا ما في سوريا نحو التهدئة، فأمريكا والدول الأوروبية تسعى إلى عدم استفادة الأفراد أو الشركات التابعين للنظام من مرحلة إعادة اعمار، ونحن نعرف أن مرحلة إعادة الاعمار ستكون مرحلة غنية اقتصاديا للدول أو المؤسسات التي ستشارك بذلك، لذا فإن الدول الأوروبية وأمريكا تسعى لمنع النظام للاستفادة من تلك العائدات من أجل عدم تلميع صورة النظام في المجتمع الدولي، وعدم استفادته من عائدات يمكن أن تحصل عليها هذه الشركات التي هي بالأصل تابعة له وتمده بموارد مالية ضخمة في فترة ما بعد الحرب.

 

التفاوض على إزالة العقوبات هو المكسب

وقلّل “شعبو” بدوره من أثر تلك العقوبات وقال: إن “العقوبات الاقتصادية على الدول  دائما لا تكون مؤثرة بشكل كبير جدا، لأن هناك دول تقوم في بعض الأحيان بفرض عقوبات إلا أنها تلجأ لأساليب أخرى للتعامل مع الدولة المفروض عليها عقوبات مقابل امتيازات معينة كتخفيضات في أسعار النفط  وتخفيضات في أسعار مواد أولية تحصل عليها من الدولة، وكما رأينا في التعامل مع داعش فكان هناك العديد من الدول تتعامل مع داعش مقابل الحصول على النفط بنصف قيمته، وهذا الأمر مازال متوفراً بكثير من الدول التي تخضع لعقوبات مثل ايران وسوريا، ولكن برأيي الاستفادة من العقوبات هو عند إزالة العقوبات فالتفاوض على إزالة العقوبات هو سيكون المكسب.

 

وأضاف “شعبو” بالقول: إن المتابع للوضع الاقتصادي العربي والشأن العربي من أيام “صدام حسين والقذافي”، يرى أن الدول الأجنبية تلجأ في البداية للحصار والتضييق الاقتصادي لفترة معينة ثم تلجأ لاتخاذ القرار بالإزالة.

 

وتابع قائلاً: “وبوجهة نظري فإن الأسد سوف يزول في تاريخ معين ولكن الغرب ليس متعجل لإزالته بهذه السرعة وهو يهيئ له الجو لإزالته ويهيئ له جميع مكونات ومتطلبات الازالة لكي تكون سلسة، مع محاولة تأمين بديل له يؤمن لتلك الدول مطامعها في سوريا، ولكن في الوقت الراهن هي تضعفه ولا تزيله، فالنظام القوي وله داعمين كثر في الدول وحتى اليوم هناك دول عربية بدأت بالتطبيع معه ما يعني أن النظام محافظ على بعض القوة، ولكن هذه المسامير التي تدق في نعش النظام سيكون لها تأثير كبير بصراحة إذا ما استمرت وأتبعت بإجراءات أكثر حدة وأكثر صرامة.