آثار سوريا في مهبّ الريح.. بين التدمير بفعل القذائف والسرقة على يد مسؤولي النظام!

Facebook
WhatsApp
Telegram
أثار سوريا

محمد الحمادي – SY24

قبل أيام قدم مندوب النظام السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري “هدية” للمبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، وهي عبارة عن رقمٍ مسماري من مكتشفات مملكة “إيبلا”، وبغض النظر إذا ما كان هذا الرقم منسوخا أو أصليا، إلا أن هذا التصرف أثار استغراب الكثيرين وفتح باب التساؤل حول أحقية النظام في التصرف بالإرث السوري العائد لعشرات آلاف السنين.

ورغم أن التاريخ ما زال شاهداً على عائلات التجارة والتهريب بدءً من أيام “رفعت الأسد”، مروراً بعصابات “ذو الهمة شاليش”، وصولا لعائلة “مخلوف” التي جعلت القطع الأثرية السورية تعزو جميع أنحاء العالم، لكن هدية الجعفري كشفت للعلن كيف تعتبر المجموعة الحاكمة البلاد مزرعة خاصة تملكها من “الباب حتى المحراب”.

وكشأن كل شيء في سوريا، فقد نال المعالم والقطع الأثرية نصيبا من سياسة النظام، فالبراميل والقذائف طالت كل مكان، وأتت على الحجر قبل البشر.

الباحث في مركز البحوث العلمي للآثار في جامعة “السوربون” الدكتور “أنس المقداد” قال إنه: “تم تدمير الكثير من المواقع الأثرية والنسيج العمراني في القرى والمدن القديمة، كما تم نهب الكثير من القطع الأثرية من المتاحف”، مشيراً إلى أن “عمليات تهريب القطع الأثرية والعبث بها ازدادت، وانتشرت الحفريات العشوائية في كثير من المناطق المحررة وغير المحررة نتيجة الجهل وسيطرة العصابات على بعض المناطق الأثرية وانتشار الفوضى”.

وأضاف المقداد: “من أهم القطع الأثرية المنهوبة تمثال مطلي بالذهب يعود إلى العصر الآرامي اختفى من متحف حماة، والكثير من الأواني الفخارية والمعدنية والقطع النقدية التي تعود لعدة حقب زمنية من الشرق القديم إلى العصر الروماني والعصر البيزنطي والعصور الإسلامية، وكذلك قطع من سجاد الفسيفساء تعود إلى العصر الروماني والعصر البيزنطي، وقطع تحمل نقوشاً آرامية وسريانية ومنحوتات عاجية والكثير من الدمى الطينية من الصلصال التي يعود تاريخها الى الشرق القديم”.

وحمل المقداد الذي ترأس المديرية العامة للتراث والآثار السورية في الحكومة المؤقتة كمتطوع، جانبا من المسؤولية لمنظمة اليونسكو التي لم تتعاون مع المديرية واستمرت بالتعاون مع النظام، حيث ما تزال سفيرته تعمل بشكل طبيعي في المنظمة بالرغم من تدميره للكثير من المعالم الأثرية في سورية ومنها المسجل على قائمة التراث.
وعن إمكانية استرجاع الآثار المنهوبة أوضح المقداد أنه: “يمكن استعادة جميع القطع الأثرية وهذا ما يضمنه القانون والمعاهدات الدولية، وذلك بمنع شراء وبيع القطع الأثرية المهربة والمسروقة من المتاحف السورية، فكل قطعة لها بطاقة هوية ومصورة ومعروفة لدى الإنتربول الدولي، ويعاقب القانون كل من يعبث ويهرب ويسرق هذه القطع، كما أصدر المجلس الدولي للمتاحف قائمة حمراء تمنع التجارة في القطع المسروقة من المتاحف السورية”.

وأكد على أن “الآثار السورية هي ذاكرتنا وتاريخنا ومجدنا وهي جزء مهما من التراث العالمي، وقد غير اكتشاف بعض المدن القديمة في سوريا التاريخ العالمي مثل اكتشاف مدن ماري وأوغاريت وتدمر وسرجيلا وبصرى الشام، مشدداً على أن “النظام عندما يقصف كل هذه المباني والمناطق الأثرية فإنه يحاول طمس هذا التاريخ وإلغاء الهوية العريقة التي يفتخر بها المواطن السوري، ولقد كان شعاره منذ بداية الثورة الأسد أو نحرق ونبيد البلد”.

وعن أعمال المديرية التابعة للحكومة المؤقتة قال: “تم إحداث عدة دوائر في إدلب، والمناطق الشمالية من محافظة حلب، وتدمر، وبصرى الشام، وتلبيسة، والقنيطرة وريف دمشق، وتم وضع خطة لتفعيل العمل ولإحداث متاحف في هذه المدن للمحافظة على القطع الأثرية وعدم العبث بالمواقع، وحراستها من المافيا التي تستغل غياب الأمن، كما عملت على إقامة دورات تدريبية وعلمية للموظفين لتوثيق المواقع الأثرية المدمرة، ومناقشة مشروع علمي للترميم في مدن حلب وبصرى الشام وبقية المواقع الأثرية ودعم الكوادر علمياً ومادياً وتزويدها بالمعدات اللازمة من الناحية العملية.

لا يمكن لعقل بشر أن يتخيل حجم الإجرام الأسدي بحق الإرث البشري، فمنذ عام 2011 تدمرت مئات المواقع الأثرية بفعل القصف، بشكل كلي أو جزئي، فمن الشمال، قلعة حلب والمسجد الأموي والسوق المسقوف، إلى الجنوب المسجد العمري وقلعة بصرى الشام وسرير بنت الملك، مروراً بقلاع الحصن وسمعان وصلاح الدين ومسجد خالد ابن الوليد وكاتدرائية أم الزنار وقصر الحير الشرقي وتل الطيبة في حمص، وقلعة المضيق في حماة، والمرقب في بانياس، وفي إدلب طال الدمار قلعة حارم والدير الأثري في البارة والكنيسة الأثرية في الفاسوق ومتحف أفاميا ومتحف معرة النعمان.
أما الحسكة ودير الزور قدر عدد المواقع المدمرة فيها بحوالي 100 موقعٍ، عدا عن جارتهن الرقة التي خسرت متحفها الذي كان يضم مئات القطع الخزفية والأواني والعقود الحجرية التي ترجع إلى العصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية، إضافة إلى جداريات الفسيفساء.

ويبقى الوجع الأكبر للسوريين في مدينة “الشمس” مدينة الملكة العظيمة زنوبيا، بعد أن اندثرت أعظم الصروح التاريخية كمعبدي “بل” و”بعل شمسين” “وقوس النصر” وعشرات الأبنية البرجية والأعمدة؛ هذا غيض من فيض فالقائمة طويلة جدا ولا يمكن لعقل أن يتخيلها، فحرب الأسد على الشعب طالت الحجر قبل البشر.

الصحفي والباحث في الآثار “عمر البنية” أكد أن: “نظام بشار الأسد يستخدم الآثار السورية كسلعة للمتاجرة وتأمين المزيد من المصادر المالية عن طريق كبار مسؤوليه الأمنيين الذين يحترفون تجارة وتهريب الآثار، موضحاً أن النظام قام بتخريب وتزوير التاريخ السوري خدمة لبعض الأجندات التي تعمل على تغير تاريخ المنطقة ومسح وجهها الحضاري لحساب مصالح سياسية معينة، حيث يتم محو الوجه الحضاري الآرامي السوري وتدمير العديد من المراكز الحضارية الأثرية البالغة الأهمية.

وقال البنية: “شاهدنا هذا الشيء بشكل واضح عندما أصدر مدير عام آثار النظام (مأمون عبد الكريم) كتابا تحت أسم (الآثار السورية في الأزمة) حيث شطب تسمية الساحل الفينيقي الكنعاني، وأسماه الساحل المتوسطي مسقطاً فترة حضارية عظيمة أنارت العالم بالكتابة والأبجدية”.

وأضاف البنية: “لا يحق للنظام التصرف بالآثار السورية فهي ملك للشعب السوري، والدولة السورية والتراث العالمي، والذي من المفترض أن يكون مصاناً ومحمياً حسب المواثيق الدولية”، مشيراً إلى أن “هناك قرار صدر من مجلس الأمن بشأن التراث السوري والعراقي، لكن للأسف لم ينفذ أي شيء لأن إحالة هذا الملف إلى محكمة الجنايات الدولية يحتاج إلى إجماع في مجلس الأمن ودائماً نشاهد الفيتو الروسي حاضراً لأجل حماية النظام”.

وفيما يتعلق بمدينة تدمر قال البنية: “النظام فتح المجال للتنظيمات الإرهابية مثل تنظيم الدولة للدخول إلى المدينة بعد قيام ضباطه بسرقة وتفريغ المتحف قبل عملية التسليم”، مستذكرا أفعال فروع الأمن ومديريات الآثار قبل العام 2011 حيث كانت تسرق المتاحف بالمفتاح وتسلم المواقع الأثرية للتجار وتستباح المواقع ويبنى فوقها مشاريع المتنفذين كما حدث في مشروع “شيرتون حلب”.

الباحث في مركز أثار إدلب الحرة “أحمد الخنوس” أكد على أن الأثار السورية في ظل حكم بيت الأسد تم تهريبها وسرقة معظمها لخارج البلد، وما يتم عرضه في المتاحف معظمه مقلداً، مشدداً على أن العالم جميعه متفق على تدمير الحضارة السورية لأنه صمت عن اندثار حضارات عريقة.

وعبر الخنوس عن حزنه لتدمير المتاحف والمواقع الأثرية، وأفاد أن أقدم موقع بالتاريخ تم تدميره، وهو موقع “إيبلا 3500 ق.م” نتيجة القصف بالطيران.

وأوضح الخنوس على أن جميع الأثار المكتشفة قبل الثورة مسجلة وبحسب الاتفاقيات الدولية يمكن إعادتها، لكن بعد عام 2011 فإن عمليات الحفر واستخراج وتهريب العديد من القطع، يصعب استعادتها لأنها غير مسجلة وغير موثقة إلا القليل الذي تم تصويره وتوثيقه عن طريق الناشطين والأثريين.

وطالب بالعمل الدائم على نشر التوعية بهدف الحفاظ التراث السوري وفضح جرائم النظام، مشدداً على ضرورة تحريك الرأي العام الدولي تجاه ملاحقة النظام وصون التاريخ السوري العريق.

مقالات ذات صلة