بيت جن: اشتباك مفاجئ يبدّل معادلة التوغّل الإسرائيلي في الجنوب

Facebook
WhatsApp
Telegram

أحمد زكريا - سوريا 24

شكّلت بلدة بيت جن في ريف دمشق واحدًا من أكثر مشاهد التصعيد دراماتيكية خلال الأيام الماضية، بعد دخول قوة إسرائيلية إلى البلدة بهدف اختطاف شقيقين.

وبينما كانت القوة تتراجع نحو آلياتها، بادر أهالي البلدة إلى فتح النار مباشرة على الآلية والقوة المقتحمة، ما أدى إلى إصابة ستة جنود وضباط إسرائيليين، بينهم ضابطان وجندي في حالات خطيرة، وتدمير الجيب العسكري بالكامل واحتراقه.

هذا التطور المفاجئ دفع الجيش الإسرائيلي إلى قصف البلدة جوًا وبالمدفعية بشكل مكثف، في عملية انتقامية طالت كل من كان يتحرك في الشوارع.

وأسفر القصف عن ارتقاء 13 مدنيًا، في واحدة من أكثر الضربات المأساوية التي شهدتها المنطقة منذ سنوات.

التصدي الشعبي: رد فعل أم تحوّل جديد؟
تؤكد شهادات من سكان بيت جن أن المواجهة لم تكن عملًا منظمًا بقدر ما كانت رد فعل غريزيًا أمام اقتحام مفاجئ.

إلا أن تكرار مثل هذه الحوادث، سواء في بيت جن أو بلدات الجنوب، يدفع إلى التساؤل:
هل نحن أمام بداية تشكّل نمط مقاوم محلي؟ أم أن القصف والضحايا سيدفعان الناس إلى الخوف والتشتت؟

المشهد العام يشير إلى أن التصدي الشعبي بات يتكرر كلما دخلت قوة إسرائيلية إلى منطقة مدنية. ومع كل حادثة، تتوسع دائرة المشاركة وجرأة السكان، رغم الكلفة البشرية العالية.

الغطرسة الإسرائيلية ولّدت ردًا طبيعيًا
يرى المحلل العسكري عبد الله الأسعد أن إسرائيل تتعامل مع عملياتها اليومية داخل سوريا، وخاصة مناطق الجنوب، وكأنها “نزهة عسكرية”، إلا أن الواقع “بات مختلفًا تمامًا”.

ويضيف في حديث لمنصة سوريا 24: “اعتقدت إسرائيل أن ما تقوم به مجرد جولة عابرة، لكن السكان رفضوا ترك ممتلكاتهم عرضة للانتهاكات المتكررة. العنوان الأبرز اليوم هو الاستفزاز اليومي ضد الشعب السوري”.

ويتابع الأسعد أن ما حدث في بيت جن ليس حادثًا معزولًا، بل “نتيجة طبيعية لممارسات إسرائيلية مستمرة”، مؤكدًا أن المحتل الذي يصر على الدوس فوق أرض ليست له، سيجد أمامه شعبًا لن يرضخ مهما طال الزمن.

فرض أمر واقع جديد
من جانبه، يقدّم الباحث في مركز جسور للدراسات محمد سليمان قراءة أكثر اتساعًا للمشهد، مؤكدًا أن إسرائيل تسعى لفرض واقع ميداني جديد في الجنوب السوري، خاصة بعد الإعلان عن وصول المفاوضات مع الحكومة السورية إلى طريق مسدود.

ويقول سليمان في حديث لمنصة سوريا 24: “إسرائيل تعمل على إنشاء بوابات حديدية ونقاط تفتيش وعمليات تجريف، وتنفيذ اعتقالات ومداهمات متكررة. هذه مؤشرات على نية السيطرة التدريجية، لا مجرد عمليات محدودة”.

ويضيف أن سكان الجنوب كانوا ينتظرون دورًا أكثر فاعلية من الحكومة السورية، مدعومًا بإسناد إقليمي ودولي، لكن هذا الدعم بقي “غير كافٍ لردع الانتهاكات”.

الخيار الصعب: مقاومة طويلة الأمد أم هجرة قسرية؟
مع استمرار الاعتداءات، يرى سليمان أن التصدي الشعبي قد يتحول إلى خيار استراتيجي، رغم كلفته الثقيلة، لكنه يحذّر في الوقت ذاته من أن غياب تدخل فعّال لحماية السكان قد يدفع بعضهم إلى الخروج من قراهم بحثًا عن الأمان، خصوصًا لحماية الأطفال والنساء.

ويشير إلى أن الأهالي يجدون أنفسهم اليوم أمام خيارات شديدة التعقيد:
الاستمرار في المقاومة الشعبية رغم المخاطر الكبيرة، أو الخروج والهجرة خشية تكرار المجازر.

إلى أين تتجه الأمور؟
تكشف أحداث بيت جن أن العلاقة بين الانتهاكات الإسرائيلية وردود الفعل الشعبية باتت أقرب إلى حلقة متصاعدة، فكل تصعيد يقابله تصدٍّ أكبر، وكل قصف يخلّف غضبًا يدفع مزيدًا من السكان إلى المواجهة.

من جهته، قال الباحث في مركز عمران للدراسات، محمد زكوان كوكة في حديث لمنصة سوريا 24: “على امتداد الأشهر الماضية لم تتعرض الدوريات الإسرائيلية التي توغلت في الجنوب السوري إلى عمليات مقاومة تُذكر، سواء على صعيد القوات الحكومية السورية أو المقاومة الشعبية، باستثناء ما حصل في قرية كويا في ريف درعا في الثلث الأخير من آذار الفائت”.

وتابع: “تعكس هذه الحالة ميل الحكومة إلى التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية وفق الأدوات الدبلوماسية، وتفضيلها الميل إلى الضغط عن طريق الحلفاء الإقليميين والوسطاء الدوليين، وعلى ما يبدو، فإن الشارع السوري ما زال يتبنى وجهة نظر الحكومة ويحافظ على نفس وتيرة ردة الفعل، دون إخفاء حالة الحنق الشديد من تكرار الاستفزازات الإسرائيلية”.

ورأى أن العلامة الفارقة في حادثة بيت جن هي ما أظهرته من قدرة الأهالي على تنظيم نوع من المقاومة السريعة والعملية بوقت قصير، مظهرة قدرتهم على إحداث أضرار كبيرة في دوريات الاحتلال بمقومات عسكرية شبه صفرية. وهذا التطور دفع جيش الاحتلال لإعادة حساباته في مدى قدرته على الاستمرار في عمليات التوغّل دون أية إعاقات لها. فحالة الحرب الطويلة في سوريا مكنت معظم الشبان من إتقان أساليب حرب الشوارع دون الحاجة إلى دعم الحكومة حتى.

وأشار إلى أنه في حال فشلت إسرائيل في تثبيت مزاعمها حول اضطلاع عناصر من الاستخبارات السورية في اشتباكات بيت جن، فإن السياق سيتجه إلى موقف أقوى للدولة السورية بضرورة وجود أجهزتها الأمنية والعسكرية في الجنوب السوري، وبالتالي العودة لتفعيل المسار التفاوضي حول كيفية إدارة أمن الجنوب. أما بالنسبة لأهالي المنطقة، فإن التحول إلى سياق مقاوم ذي طابع محلي مرهون بمدى قدرة الدولة على إقناعهم بجدوى المسار الدبلوماسي والسياسي من عدمه.

وتبقى الفرصة الأكبر في قدرة توظيف الدولة السورية لحادثة بيت جن بحيث تعزز الموقف التفاوضي السوري في مواجهة حكومة نتنياهو وأمام الوسطاء، حسب تعبيره.

ويبقى السؤال المفتوح الآن:
هل سيدفع هذا المسار نحو تشكّل بيئة مقاومة متنامية في الجنوب السوري؟
أم أن الثمن الإنساني القاسي سيُضعف قدرة المجتمع على الصمود ويدفعه نحو التفكك؟

بين هذين المسارين، تبقى بيت جن مثالًا واضحًا على أن الجنوب يقف عند مفترق طرق، حيث التصدي آخذ في الاتساع، لكنه محاط أيضًا بوجع كبير وثمن ثقيل.

 

مقالات ذات صلة