في ظل تصاعد الحديث الإعلامي عن وجود وتحركات لفلول نظام الأسد السابق داخل الأراضي اللبنانية، وما يُتداول عن تخطيطات قد تستهدف سوريا انطلاقاً من لبنان، عاد الملف بقوة إلى الواجهة السياسية والأمنية في البلدين، مع دعوة رسمية لبنانية للتحقق والتحرك، وسط تساؤلات متزايدة حول جدية الدولة اللبنانية وقدرتها على ضبط هذا الملف شديد الحساسية.
موقف رسمي وتحذير من مخاطر عابرة للحدود
نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري عبّر عن قلقه إزاء ما يُتداول في وسائل الإعلام بشأن تحركات لأنصار النظام السابق داخل لبنان، داعياً الأجهزة الأمنية اللبنانية إلى التحقق من صحة هذه الأنباء واتخاذ التدابير المناسبة في حال ثبوتها.
وأكد متري، في منشور على منصة “إكس”، أنه “يجب درء مخاطر القيام بأعمال تسيء إلى سوريا وأمنها في لبنان أو انطلاقاً منه”، مشدداً على ضرورة تحمّل المؤسسات الأمنية مسؤولياتها كاملة في هذا الإطار.
تحقيقات أمنية وتأكيد على التعاون مع دمشق
وفي المستجدات، وبحسب تقارير لبنانية، بدأت اليوم الدولة اللبنانية فعلياً التحقق من المعلومات والتسريبات المنشورة حول وجود فلول النظام السوري السابق وتحركاتهم، حيث فتحت الأجهزة المختصة تحقيقاً شاملاً بكل المعطيات المتداولة.
كما أكدت المصادر ذاتها أن هذه التطورات تستدعي تعزيز التعاون مع السلطات السورية، على أساس الثقة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين، وبما يخدم المصلحة المشتركة ويحفظ أمن واستقرار الجانبين.
قراءة سياسية لموقف الحكومة اللبنانية
الصحفي والأكاديمي يحيى حاج نعسان رأى، في حديث لمنصة سوريا 24، أن تصريح نائب رئيس الحكومة اللبنانية يشير إلى احتمالين: إما أن الحكومة اللبنانية غير قادرة على اتخاذ إجراءات عملية في هذا الملف، في ظل استمرار حزب الله كقوة صاحبة الكلمة الفصل في الداخل اللبناني، أو أنها لا تريد فعلياً المضي قدماً في معالجته، مكتفية بإطلاق مواقف سياسية وإعلامية.
ورجّح حاج نعسان الاحتمال الثاني، معتبراً أن التصريح جاء في إطار دبلوماسي وقانوني لتسجيل موقف رسمي ونفي أي شبهة تعاون مع تنظيمات خارجة عن القانون، متسائلاً في الوقت ذاته عن أسباب غياب الدور العملي، رغم ما يحمله الملف من مخاطر مباشرة على لبنان نفسه.
موقف حكومي رافض لتحويل لبنان منصة ضد سوريا
بدوره، قال الصحفي اللبناني زياد عيتاني في حديث لمنصة سوريا 24 إن موقف نائب رئيس الحكومة طارق متري “يعبر عن موقف الحكومة اللبنانية، وتحديداً رئيسها نواف سلام”، وهو موقف واضح يرفض استخدام لبنان كمنصة للنيل من سوريا واستقرارها.
وأضاف عيتاني أن السؤال الجوهري يبقى مطروحاً حول ما إذا كان هذا الموقف السياسي ينسحب فعلياً على أداء بعض المسؤولين داخل الأجهزة الأمنية اللبنانية، مؤكداً أن هذا سؤال يحتاج إلى إجابة واضحة من السلطة اللبنانية، ولا سيما أن هذا الملف لا يهدد الأمن القومي السوري فحسب، بل يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي اللبناني أيضاً.
تهديد مباشر للأمن القومي السوري
من جانبه، حذّر الخبير في الشؤون الأمنية ضياء قدور، في حديث لمنصة سوريا 24، من أن هذا الملف يشكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي السوري، مشيراً إلى أن المعلومات المسرّبة، ولا سيما تلك المتعلقة بحجم السلاح وأعداد المقاتلين القادرين على التنقل عبر الحدود، تمثل “نواقيس خطر من أعلى الدرجات”.
وأوضح قدور أن هذه المعطيات، في حال صحتها، تعني وجود قدرة فعلية على زعزعة الأمن السوري، بما يتجاوز مجرد تحركات فردية إلى مخاطر أمنية منظمة.
قدرة محدودة للدولة اللبنانية
وفيما يتعلق بقدرة لبنان على ملاحقة الفلول، خاصة في ظل الحديث عن وجودهم تحت جناح ميليشيا حزب الله، استبعد قدور إمكانية ذلك في الوقت الراهن، معتبراً أن الأمر مرتبط بقدرة الدولة اللبنانية نفسها على فرض سيادتها وهيبتها على كامل أراضيها.
وأشار إلى أن استمرار احتفاظ حزب الله بسلاحه خارج إطار الدولة يقيّد دور الحكومة والجيش اللبنانيين، ويجعل معالجة هذا الملف أمراً بالغ التعقيد.
ضغوط وانتقادات متزايدة
ووسط كل ذلك، فقد أظهر كشف هذه التسريبات حجم التحديات الأمنية التي تواجه الحكومة اللبنانية، سواء لجهة ضبط الحدود أو سحب السلاح الخارج عن سلطة الدولة، في وقت يتعرض فيه لبنان لانتقادات وضغوط من الولايات المتحدة ودول إقليمية، إضافة إلى سوريا، بسبب عجزه عن حسم ملفات أمنية حساسة.
وفي المحصلة، لم يعد ملف فلول نظام الأسد السابق في لبنان شأناً إعلامياً أو سياسياً عابراً، بل تحول إلى اختبار حقيقي لسيادة الدولة اللبنانية، وتهديد مزدوج لأمن سوريا ولبنان على حد سواء. وبين مواقف رسمية رافضة، وتساؤلات حول التطبيق العملي، يبقى الملف مفتوحاً على احتمالات خطرة ما لم يُعالج بجدية وحزم وتنسيق واضح بين بيروت ودمشق.








