لم تكن باشكوي قرية هامشية خلال سنوات الثورة والحرب، بل كانت واحدة من أكثر النقاط استنزافًا في الريف الشمالي لحلب، فموقعها جعلها على تماس مباشر مع خطوط القتال، فتحولت من قرية زراعية هادئة إلى ساحة معركة، ثم إلى مكان شبه خالٍ من سكانه.
ومع انحسار العمليات العسكرية، وسقوط النظام البائد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بدأت العائلات تعود تدريجيًا إلى قريتها، لا لتجد حياةً تنتظرها، بل واقعًا قاسيًا يتطلب إعادة بناء كل شيء تقريبًا من جديد.
قرية أنهكتها الحرب
استذكرت شهادات الأهالي كيف تحولت باشكوي خلال سنوات الحرب إلى ساحة مواجهة مفتوحة، دُمّرت فيها المنازل والبنية التحتية، واضطر سكانها إلى النزوح نحو المخيمات وبلدان الجوار، تاركين خلفهم قرية تحولت إلى أنقاض وسواتر وخنادق ومخلفات ذخيرة.
عودة محفوفة بالصعوبات
قال حمدو اللوك، أحد سكان القرية العائدين من تركيا، لموقع سوريا 24 إن العودة إلى باشكوي لم تكن سهلة، موضحًا أن القرية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وأوضح أن الطريق الواصل إلى حلب أو بحريتان سيئ جدًا، ويتحول في الشتاء إلى طريق غير قابل للسير، ما يعزل القرية تمامًا عن محيطها.
واشتكى اللوك من غياب المياه والخبز والخدمات الصحية، وقال إن “أي حالة مرضية ليلية قد تتحول إلى خطر حقيقي على الحياة بسبب صعوبة الوصول إلى المشافي”.
الأرض… بين الرزق والخطر
وأشار اللوك إلى أن نحو 800 هكتار من الأراضي الزراعية في محيط القرية ما تزال ملوثة بمخلفات الحرب من ألغام وقذائف غير منفجرة وقنابل عنقودية، وبيّن أن هذا الأمر يمنع كثيرًا من الأهالي من زراعة أراضيهم خوفًا على حياتهم.
وطالب فرق الهندسة بمسح الأراضي الزراعية وتفكيك الألغام، كما طالب بدعم المزارعين الذين يعانون من الضائقة المادية، ويجدون أنفسهم عاجزين عن استثمار أراضيهم، حتى لو كانت آمنة.
مدرسة تقاوم النسيان
في وسط القرية، تقف المدرسة كأحد أوائل مظاهر العودة إلى الحياة، حيث يقول مدير مدرسة باشكوي، محمود جغل، لموقع سوريا 24 إن المدرسة كانت شبه مدمرة بالكامل، وإن الأهالي أطلقوا مبادرة أهلية لإزالة الأنقاض وترميم ما أمكن منها، واستدعوا فرق الهندسة لإزالة الألغام من محيطها قبل إعادة فتحها.
وأوضح أن المدرسة تضم حاليًا نحو 74 طالبًا من الصف الأول حتى السادس، لكنها تعاني نقصًا في التدفئة والمقاعد، ولا يوجد لها سور يحمي الأطفال من الطريق العام المجاور، كما أن الباحة ترابية وتتحول إلى طين في الشتاء، مؤكدًا في ختام حديثه أن المدرسة بحاجة ماسة إلى دعم لتوفير بيئة تعليمية آمنة واستمرار العملية التعليمية.
نداء الأهالي
وفيما يتعلق بمطالبات أهالي القرية، قال رجب الجغل، عضو اللجنة المجتمعية في قرية باشكوي، لموقع سوريا 24 إن نحو 150 عائلة عادت إلى القرية، أي ما يقارب ألف شخص، تركوا المخيمات وبلدان اللجوء ليعيدوا بناء حياتهم، لكنه أوضح أنهم “لا يستطيعون الاستمرار وحدهم”.
وبيّن الجغل أن الأهالي عادوا ليجدوا قرية بلا بنية تحتية، ولا ماء، ولا طرق، ولا خدمات، في وقت ما زالت فيه آثار الحرب حاضرة في كل زاوية.
وطالب الجغل بتأمين طريق معبّد، وإعادة تشغيل شبكة المياه، وإنشاء نقطة طبية، ومسح الأراضي الزراعية من الألغام، ودعم المدرسة، مؤكدًا أن هذه الاحتياجات ليست رفاهية، بل شروط بقاء.
باشكوي اليوم ليست مجرد قرية عائدة من الحرب، بل قرية تحاول أن تستعيد معناها كمكان للحياة، لا كمجرد مساحة جغرافية. فأهلها عادوا بإرادتهم، رمموا بيوتهم بأيديهم، أعادوا فتح مدرستهم، وحاولوا استعادة علاقتهم بالأرض، لكنهم يقفون اليوم عند حدود طاقتهم.
ما يحتاجه سكان باشكوي ليس فقط المساعدة، بل الاعتراف بأن عودتهم بحد ذاتها فعل شجاع، يستحق أن يُقابل بدعم حقيقي يمنح هذه العودة فرصة لأن تتحول إلى استقرار، لا إلى نزوح جديد.









