استؤنفت، اليوم الإثنين، المفاوضات غير المباشرة بين الدولة السورية وإسرائيل في العاصمة الفرنسية باريس، في جولة توصف بأنها الخامسة ضمن مسار تفاوضي متقطّع يركّز على القضايا الأمنية وترتيبات استقرار الحدود، بعد توقف دام قرابة شهرين.
وتأتي هذه الجولة بوساطة أميركية مباشرة، في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية، وتقاطعات معقدة بين الحسابات الأمنية والسياسية للطرفين.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عبرية، فإن هذه الجولة لا تحمل طابعًا دبلوماسيًا تقليديًا، ولا تهدف إلى إحداث اختراق سياسي أو فتح مسار تطبيع، بل تندرج في إطار ما تسميه تل أبيب “إدارة الوضع الأمني المعقد في الشمال”، ومحاولة خفض احتمالات التصعيد على الحدود السورية ـ الإسرائيلية.
تركيبة الوفود وتركيز أمني بحت
تشير المعطيات المتداولة إلى أن الوفد الإسرائيلي حضر بتشكيلة محدثة، برئاسة سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، وبمشاركة السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، اللواء رومان جوفمان، إلى جانب ممثلين رفيعي المستوى من المؤسسة الأمنية.
ووفق مصادر إسرائيلية، فإن هذا التشكيل يعكس رغبة واضحة في إبقاء المفاوضات ضمن إطار “مهني ـ أمني”، مع تنسيق وثيق مع الإدارة الأميركية.
في المقابل، يقود الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني، في محادثات تمتد على يومين، وبوساطة المبعوث الأميركي توماس باراك، في خطوة تعكس انخراطًا أميركيًا مباشرًا في محاولة ضبط إيقاع التوتر، ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع.
ضغوط أميركية وحدود المناورة الإسرائيلية
الكاتب والصحفي عدنان علي يرى أن هذه الجولة، رغم أهميتها، “لن تحمل نتائج فورية”، مرجعًا ذلك إلى “حساسية وصعوبة النقاط المطروحة، وعدم نضج الموقف الإسرائيلي بما يكفي لإبرام اتفاق بشروط معقولة”.
ويضيف في حديث لمنصة سوريا 24، أن حكومة بنيامين نتنياهو “ما زالت مأخوذة بنشوة ما تعتبره انتصارات في غزة ولبنان ومع إيران”، وهو ما يدفعها – وفق تعبيره – إلى الاعتقاد بأن “السطوة” التي تشعر بها تمكّنها من انتزاع أقصى ما يمكن من الجانب السوري.
ويشير علي إلى أن تل أبيب تحاول استخدام أدوات ضغط متعددة، من بينها التلويح بالتصعيد العسكري، أو استثمار بعض الملفات الداخلية الحساسة داخل سوريا، معتبرًا أن المطالب الإسرائيلية المطروحة “مبالغ فيها، ولا تعكس احتياجات أمنية حقيقية بقدر ما تعبّر عن رغبة في الهيمنة وتحقيق أطماع توسعية ومائية”.
ومع ذلك، لا يستبعد علي أن تكون الضغوط الأميركية قد لعبت دورًا في “إعادة بعض التوازن” إلى التفكير الإسرائيلي، ودفعه نحو قدر من العقلنة، ولو ضمن سقوف محدودة، خاصة في ظل حرص واشنطن على منع انفجار الوضع الإقليمي في أكثر من جبهة في آن واحد.
جبل الشيخ: البعد الأمني والمائي
تبرز قضية جبل الشيخ (حرمون) كإحدى أعقد نقاط التفاوض، فإلى جانب أهميته العسكرية، باعتباره نقطة استراتيجية تطل على مساحات واسعة من سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، يحمل الجبل بعدًا مائيًا بالغ الحساسية.
ويوضح عدنان علي أن الجبل يشكل مصدر الأنهار الرئيسية التي تغذي بحيرة طبريا ونهر الأردن، ما يؤمّن أكثر من ثلث الاحتياجات المائية لإسرائيل، وهو ما يجعل السيطرة على منابعه هدفًا استراتيجيًا يتجاوز البعد الأمني التقليدي.
هذا التداخل بين الأمن والمياه يعقّد أي تفاهم محتمل، ويجعل من الصعب الوصول إلى صيغة ترضي الطرفين دون مساس بجوهر القضايا السيادية، وهو ما يفسّر، إلى حد كبير، تعثّر الجولات السابقة.
اتفاق أمني لا سلام سياسي
من جانبه، يقدّم الباحث في القانون الدولي فراس حاج يحيى قراءة مختلفة، معتبرًا أن استئناف المفاوضات “يجب فهمه في إطار إدارة المخاطر الأمنية، لا في سياق تسوية سياسية شاملة”.
ويؤكد في حديث لمنصة سوريا 24، على أن الحديث لا يدور عن اتفاق سلام أو تطبيع، بل عن “تفاهمات تقنية وأمنية محدودة”، هدفها ضبط الحدود ومنع الاحتكاك المباشر وخفض احتمالات التصعيد.
ويضيف حاج يحيى أن أي اتفاق محتمل سيكون “مشروطًا بضمانات دولية وإقليمية”، وسيركّز على الترتيبات الميدانية، في حين تبقى القضايا السيادية، وفي مقدمتها الجولان المحتل، خارج نطاق النقاش.
كما يحذّر من أن هذا المسار “هش وقابل للتعطيل في أي لحظة”، لارتباطه بتوازنات أوسع تشمل الدور الأميركي والوضع الإقليمي العام.
منطقة عازلة وحظر جوي: مقترحات مثيرة للجدل
في السياق ذاته، كشفت تقارير إعلامية عبرية، عن مقترح إسرائيلي يتضمن إنشاء مناطق أمنية عازلة جنوب غربي دمشق، وفرض حظر جوي على الطائرات السورية في المناطق القريبة من الحدود، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض الأراضي السورية التي دخلتها مؤخرًا، مع الإبقاء على وجود استراتيجي في مواقع محددة، أبرزها جبل الشيخ.
وتعكس هذه المقترحات جوهر الرؤية الإسرائيلية للمفاوضات: تثبيت وقائع أمنية جديدة على الأرض، دون تقديم تنازلات تمسّ جوهر السيطرة أو المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
بين تشاؤم حذر بإمكانية تحقيق اختراق سريع، ورهان محدود على تفاهمات أمنية مؤقتة، تبدو مفاوضات باريس محطة اختبار جديدة لنوايا الطرفين، ولقدرة الوساطة الأميركية على إدارة ملف بالغ التعقيد.
وفي ظل غياب أي أفق سياسي شامل، تبقى هذه المحادثات أقرب إلى مسار احتواء للأزمات، لا طريقًا نحو تسوية نهائية، في انتظار تحولات أعمق في موازين القوى والمعادلات الإقليمية.








