الرقة: من تحت الركام إلى خدمة ذوي الإعاقة

Facebook
WhatsApp
Telegram

خاص - سوريا 24

في أحد أحياء مدينة الرقة التي أنهكتها الحرب، تبدأ حكاية مهند الفارس، شاب في العقد الثالث من عمره، لا كقصة إصابة فقط، بل كرحلة طويلة من الألم، ثم التعافي، وصولًا إلى العطاء. حكاية تشبه آلاف القصص السورية، لكنها تحمل خصوصيتها في التحول من متلقٍ للمساعدة إلى صانع أمل لغيره.

عام 2015 شكّل نقطة فاصلة في حياة مهند. أثناء عمله في أحد أفران المعجنات وسط مدينة الرقة، تعرّض المكان لقصف جوي، غيّر مسار حياته بالكامل. يقول مهند في حديثه لـ سوريا 24:
“في عام 2015 تعرضت لقصف جوي، وأثّر ذلك على جسمي بشكل خطير. أُصبت بكسر في مفصل الورك الأيسر، إضافة إلى حروق في معظم أنحاء يدي وجسمي، وأصبحت غير قادر على المشي بشكل طبيعي”.

لم تكن الإصابة جسدية فقط، بل رافقها تدهور نفسي وصحي مع مرور الوقت. يشرح مهند أن الأشهر التالية كانت من أصعب الفترات التي عاشها، حيث باتت أبسط الحركات اليومية تشكل تحديًا حقيقيًا. ومع غياب الإمكانيات الطبية الكافية، وجد نفسه أمام واقع قاسٍ، بين الألم المستمر والخوف من العجز الدائم.

بعد فترة من المعاناة، بدأ مهند رحلة البحث عن علاج فيزيائي يساعده على استعادة قدرته على المشي. “بدأت أبحث عن منظمات تقدّم العلاج الفيزيائي، لأتمكن من المشي بطريقة طبيعية”، يقول لـ سوريا 24، مضيفًا: “تعرفت على منظمة اسمها ‘نسه أمل’، وبدأت العلاج عندهم. الحمد لله، واظبت على الجلسات، ومع الوقت تحسنت حالتي بشكل واضح، وأصبحت قادرًا على المشي بصورة أفضل”.

منظمة “نسه أمل” التي شكّلت نقطة التحول في حياة مهند، هي مبادرة تطوعية محلية تعمل في ظروف صعبة، دون أي دعم دولي أو محلي. يوضح مهند طبيعة عمل المنظمة قائلًا لـ سوريا 24:
“المنظمة تعمل بشكل تطوعي بالكامل، لا يوجد أي رواتب أو دعم مالي. يعمل معنا حوالي عشرين متطوعًا، وخلال أربع سنوات استفادت من خدماتنا نحو 3500 حالة”.

ولا يقتصر نشاط المنظمة على العلاج الفيزيائي فقط، بل يشمل مجالات تعليمية واجتماعية متعددة. ويضيف مهند: “نقوم بتعليم حوالي 150 امرأة ضمن برامج محو الأمية، ونرعى 60 طفلًا داخل المركز، إضافة إلى علاج 25 طفلًا وبالغًا من ذوي الإعاقات”.

بعد عام كامل من التزامه بالعلاج، لم يكن مهند يتوقع أن يتحول من مريض إلى جزء من الفريق العلاجي نفسه. يروي هذه اللحظة قائلًا لـ سوريا 24:
“بعد مرور عام على علاجي، اقترح كادر المنظمة أن أعمل معهم كمدرب ومتابع للأطفال ذوي الإعاقة. الفكرة أثرت فيّ كثيرًا، لأنها سمحت لي أن أنقل تجربتي للآخرين”.

اليوم، يعمل مهند كمدرب في العلاج الفيزيائي للأطفال ذوي الإعاقة، ويتابع حالاتهم بشكل مستمر، ولا يقتصر دوره على المركز فقط. “أتواصل مع أهالي الأطفال، وأتابع أوضاعهم داخل منازلهم، وأحاول مساعدتهم قدر الإمكان”، يقول، موضحًا أن هذا العام هو الأول له في هذا الدور، لكنه يشعر فيه بقيمة ما يقدمه أكثر من أي وقت مضى.

تجربة مهند الفارس تعكس صورة أوسع عن واقع ذوي الإعاقة في الرقة، وعن الدور الذي تلعبه المبادرات التطوعية في سد الفراغ الذي خلّفته سنوات الحرب. من تحت الركام، خرجت قصة إنسانية تحمل الألم والأمل معًا، وتثبت أن الدعم الحقيقي لا يُقاس بحجم التمويل، بل بإصرار الأفراد على مساعدة بعضهم البعض، حتى في أصعب الظروف.

مقالات ذات صلة