أعادت حملة إزالة إشغالات الأرصفة والأسواق العشوائية في مدينة دير الزور فتح ملفٍ شائك يتعلّق بتنظيم البسطات ومصادر رزق مئات العائلات، وسط مطالب شعبية متزايدة بإيجاد حلول عملية توازن بين المظهر الحضاري للمدينة وحق المواطنين في العمل.
الحملة، التي نفّذها قسم الإشغالات في مجلس المدينة، استهدفت بشكل أساسي “سوق الجمعة”، مع توجيه إنذارات بضرورة إخلاء الموقع بشكل نهائي، بحجة الحفاظ على النظافة العامة ومنع الفوضى المرورية والبيئية.
مطالب الأهالي: سوق منظّم بدل الإزالة
في مقابل الإجراءات، عبّر عدد من الأهالي عن رفضهم الاكتفاء بإزالة الإشغالات دون توفير بدائل حقيقية.
ويرى هؤلاء أن الحل يكمن في تخصيص أسواق شعبية منظّمة أو “بازارات” تُدار من قبل البلدية، على غرار النموذج المعمول به في عدة دول، أبرزها تركيا.
ويقول بعض السكان إن “السوق الشعبي يُفتح في حي محدد كل يوم، ويُتيح بيع الملابس منخفضة السعر، والخضار والفواكه، ومواد التنظيف، بما يناسب أصحاب الدخل المحدود”، على أن تتولى البلدية تنظيمه وتحديد رسوم إشغال رمزية للمتر الواحد، بما يضمن الفائدة للباعة من جهة، وللبلدية والمدينة من جهة أخرى.
في حين اختصر آخرون موقفهم بعبارة لافتة: “أمّنوا للناس عملاً أولاً، ثم لاحقوا الإشغالات”.
واقع تنظيمي هشّ
وفي هذا السياق، وصف نادر العكلة، من سكان دير الزور، في حديث لمنصة سوريا 24، الواقع التنظيمي والإداري في المحافظة بأنه “ضعيف ومتدنٍ على معظم الأصعدة”، مشيراً إلى أن ارتفاع نسبة الدمار وغياب الالتزام بأنظمة البناء والتنظيم أسهما في تفاقم ظاهرة الإشغالات، ولا سيما في مركز المدينة.
وأوضح أن مدينة الميادين على سبيل المثال، شهدت خطوة إيجابية عبر نقل الباعة المتجولين من الطرقات العامة إلى سوق مركزي منظّم يشبه البازار، ما ساعد في تخفيف الفوضى وتحسين حركة السير.
في المقابل، لا تزال دير الزور، وخصوصاً أيام الجمعة، تعاني من اختناقات مرورية حادة بسبب انتشار البسطات في الشوارع، رغم كونها مصدر عيش أساسي لكثير من العائلات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
بين التنظيم والرزق اليومي
ويرى العكلة أن الحل يتطلب جهداً مزدوجاً: قبولاً شعبياً بالقرارات التنظيمية، يقابله جهد حكومي حقيقي لإنشاء أسواق مركزية منظّمة توفّر بديلاً آمناً ومستداماً للبسطات العشوائية، بما يضمن كرامة العمل ويخفف الأعباء المعيشية عن السكان.
البلدية: القوانين فوق الجميع
من جهته، شدد رئيس مجلس مدينة دير الزور، ماجد حطاب في حديث لمنصة سوريا 24، على أن مشهد “سوق الجمعة” بصورته الحالية “لا يليق بأي مدينة”، مؤكداً أن البلدية لا يمكنها القبول باستمرار إشغال الشوارع العامة بحجة تأمين الرزق.
وقال حطاب إن “ليس من المعقول أن يشغل كل من يريد فتح بسطة شارعاً عاماً ثم يطالب البلدية بإيجاد مكان له”، مضيفاً أن هناك أنظمة وقوانين يجب أن تُطبّق على الجميع دون استثناء.
تجربة قيد الاختبار
وكشف رئيس المجلس عن العمل على تجربة أولية لإنشاء سوق منظّم يشبه “البازار التركي” في منطقة “سوق الكوخ”، قرب جامع عبد الله بن عباس، وسط الكتل السكنية الشعبية.
وأوضح أن التجربة تُنفّذ بالتعاون مع المحافظة، وفي حال نجاحها سيتم تعميمها على مناطق أخرى، مع اعتماد رسوم إيجار رمزية للباعة وأصحاب البسطات، بما يحقق التوازن بين التنظيم وتأمين فرص العمل.
بين القرار والانتظار
وبينما تستمر حملات إزالة الإشغالات وضبط المخالفات، يبقى الشارع الديري مترقباً لمدى جدية تطبيق البدائل الموعودة. فنجاح أي إجراء تنظيمي، بحسب الأهالي، مرهون بتحويل الوعود إلى أسواق حقيقية تستوعب الباعة، وتحافظ في الوقت ذاته على النظام والمظهر الحضاري للمدينة.








