تشهد مدينة حلب منذ ليلة أمس تصعيدًا عسكريًا واسعًا في محيط حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، ونزوح جماعي واسع النطاق، وذلك عقب بيان صادر عن هيئة العمليات في الجيش العربي السوري دعت فيه المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع تنظيم “قسد” في الحيين، وفي وقت فُتحت فيه معابر إنسانية وأُطلقت استجابة طارئة لإيواء المتضررين.
خسائر بشرية واستنفار طبي
في ضوء القصف المستمر على أحياء مدينة حلب، أعلن مدير مستشفى الرازي الدكتور عبد القادر فرح أن القصف أدى إلى مقتل أربعة مدنيين ووقوع 18 إصابة منذ ليلة أمس وحتى الآن، موضحًا لـ سوريا 24 أن الإصابات توزعت بين مستشفى الرازي والمشفى الجامعي، وأن الطواقم الطبية في حالة استنفار كامل.
بيان الجيش وفتح المعابر
تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت أعلنت فيه هيئة العمليات في الجيش العربي السوري في بيان أن مواقع “قسد” العسكرية داخل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية تُعد أهدافًا عسكرية مشروعة، داعية المدنيين إلى الابتعاد عنها حفاظًا على سلامتهم.
كما أعلنت الهيئة فتح معبرين إنسانيين هما معبر العوارض ومعبر شارع الزهور حتى الساعة الثالثة ظهرًا، لتمكين المدنيين من مغادرة مناطق الاشتباك.
“طوفان بشري” ونزوح واسع
بالتزامن مع البيان العسكري، رصد مراسلو سوريا 24 خروج أعداد كبيرة من المدنيين من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، في مشهد شبّهه المراسلون بـ”الطوفان البشري”، حيث اندفعت العائلات باتجاه المعابر والمناطق الآمنة وسط حالة من الخوف والارتباك.
وقال مدير مركز الدفاع المدني في شارع النيل بحلب، عمار عبد الرحمن، لـ سوريا 24 إن أكثر من 15 ألف شخص نزحوا منذ ساعات الصباح الأولى، موضحًا أن الفرق تعمل على نقل الأهالي إلى مناطق آمنة أو إلى أقرباء لهم، ونقل المرضى والمصابين إلى المشافي، ومساعدة كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، لكنه في المقابل شدد على أن الازدحام الكبير، والأعداد الضخمة، والاشتباكات المتقطعة تعقّد عمليات الإخلاء.
الاستجابة الإنسانية
وفي إطار الاستجابة الإنسانية العاجلة للأزمة المتصاعدة، أعلنت محافظة حلب عن مجموعة من الإجراءات لتأمين المدنيين.
وقال مدير مكتب العلاقات في الكتلة الأولى بمدينة حلب، رامي كلزي، لـ سوريا 24 إن “عددًا من المساجد في مدينة حلب جرى تجهيزها لاستقبال الأهالي وتأمين مأوى مؤقت لهم في ظل الظروف الراهنة، وذلك بالتعاون مع الجهات المحلية والمجتمع الأهلي”.
وأوضح كلزي أن مراكز الإيواء في نطاق الكتلة الأولى شملت أحياء أقيول وحارة الريشي، حيث جُهز مسجد النوحية ومسجد قسطل الزيتون، كما شملت حي القصيلة عبر تجهيز مساجد الطروش والطواشي والسكاكيني، وحي باب جنين عبر مسجد العاشورية، وحي قسطل الحرامي عبر مسجد التينة ومسجد قسطل الحرامي، إضافة إلى حي السبع بحرات عبر مسجد الدباغة، وحي الألمجي عبر مساجد النوحية وقسطل الزيتون والميداني ونور الدين، فضلًا عن حي محمد بيك في باب النيرب حيث جُهزت مساجد زيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وفاطمة الزهراء والرحمة وباذنجك.
وأضاف أن مراكز الإيواء في نطاق الكتلة الرابعة شملت حي الزبدية عبر جامع البتول، وحي الأعظمية عبر جامع البراء، وحي بستان القصر عبر جامع حذيفة بن اليمان، وحي الفردوس عبر جامع خياطة.
أما في نطاق الكتلة الخامسة، فأشار كلزي إلى تجهيز جامع زين العابدين في حلب الجديدة، وجامع الغفران في حلب الجديدة الشمالي، إضافة إلى جامع نفيسة في حي الشهداء بحلب الجديدة.
وأكد كلزي في ختام تصريحه أن هذا العمل يأتي في سياق الجهود المبذولة لتوفير الحماية والدعم الإنساني لأهالي المدينة، ولتأمين الحد الأدنى من الاستقرار للعائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها بسبب التصعيد.
استهداف المعابر ودعم المحافظة
وفي آخر التطورات الميدانية، أفاد مراسل سوريا 24 أن مقاتلي “قسد” استهدفوا معبر شارع الزهور الإنساني في منطقة السريان بالقذائف، ما أدى إلى تعريض المدنيين للخطر أثناء محاولتهم الخروج من المنطقة.
كما أفاد أن محافظة حلب وفّرت مراكز إيواء، ووزعت خبزًا، وأمّنت حافلات لنقل النازحين، فيما يواصل الدفاع المدني السوري المساعدة في النقل وتجهيز المراكز والاستجابة للحالات الإنسانية.
موقف “قسد”
في المقابل، قالت “قسد” في بيان إن القوات الحكومية تشن هجومًا بالأسلحة الثقيلة على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، مدعية أن ما وصفتهم بـ”قواتها الأمنية” تخوض مقاومة عنيفة لصد الهجوم وحماية الحيين.
رد دولي
وفي أول رد فعل دولي على التطورات في حلب، أعربت وزارة الخارجية البريطانية عن قلقها الشديد إزاء الاشتباكات وسقوط إصابات بين المدنيين والنزوح الواسع، داعية إلى التهدئة الفورية والحوار وحماية المدنيين، ومؤكدة أن إحلال الاستقرار في سوريا يحظى بأهمية كبيرة.
يأتي هذا التصعيد بعد فشل الاتفاقات السابقة، ومنها اتفاق آذار الماضي واتفاق نيسان/أبريل، في ضمان أمن المدنيين في حلب، واستمرار الخروقات في الحيين، بحسب بيانات حكومية، فيما يُعد هذا التطور الأخطر على صعيد التعامل الأمني مع المنطقة، وقد يؤدي إلى تغييرات ملموسة في خارطة السيطرة والنفوذ داخل المدينة.








