لم يمر الإعلان عن اتفاق بين الحكومة السورية ورجل الأعمال محمد حمشو بوصفه إجراء إداريا عابرا، بل كان صدمة جديدة على أهالي الضحايا والمهجرين، الذين رأوا فيه إعادة تعويم صريحة لأحد أبرز رموز اقتصاد الحرب، وتجاهلا متعمدا لحقوق آلاف العائلات التي نهبت منازلها ودمرت مصادر رزقها.
وأعلن حمشو عن توقيع “اتفاق شامل” مع الحكومة السورية، قال إنه يهدف إلى “تنظيم وتثبيت الوضع القانوني وفتح صفحة جديدة”.
بالنسبة لكثير من السوريين، لا يعكس هذا الاتفاق “فتح صفحة جديدة” بقدر ما يعمق الشكوك حول جدية مسار العدالة الانتقالية، ويطرح تساؤلات قاسية حول موقع المحاسبة وجبر الضرر في مرحلة يفترض أنها تأسيس لعدالة لا تبنى فوق أنقاض البيوت المنهوبة.
أثار قرار التسوية غضب واستياء شريحة واسعة من السوريين، ولا سيما أهالي الضحايا والمعتقلين والمهجرين، الذين رأوا في الاتفاق رسالة صادمة تمس جوهر العدالة الانتقالية التي يطالبون بها منذ سنوات، وتعيد إلى الواجهة أسماء ارتبطت، في الذاكرة العامة، باقتصاد الحرب والاستفادة من منظومة القمع.
بسام أبو بكر، أحد أبناء حي جوبر الدمشقي، عبر في حديثه لـ”سوريا 24” عن غضبه من الخطوة، معتبرا أن ما يجري “يهدم ما تبقى من الأمل بالعدالة”.
يقول أبو بكر: “هذه ليست أموال استثمار أو تنمية، بل أموال بيوت مهدمة ومصانع مسروقة. بيتي واحد من البيوت التي سحب منها الحديد في وضح النهار، وتحت حماية النظام البائد”. ويضيف: “حتى لو بنى لي حمشو قصرا بدل بيتي، فلن أسامحه. القضية ليست تعويضا شخصيا، بل مبدأ عدالة، وأقبل أن أعيش دون مأوى على أن ينجو أمثال هؤلاء من المحاسبة”.
بالنسبة لكثير من السوريين، لا ينظر إلى محمد حمشو سوى أنه أحد أبرز رموز الاقتصاد المرتبط بنظام الأسد، وأحد المستفيدين من سياسات النهب والاستيلاء على الممتلكات، في سياق حرم فيه ملايين السوريين من بيوتهم ومصادر رزقهم، معتبرين أن الثروات التي راكمها حمشو ليست نتاج نجاح اقتصادي طبيعي، بل نتيجة مباشرة لاقتصاد بني على سرقة أملاكهم وحديد أسقف منازلهم واستغلال القمع وغياب المحاسبة.
من القابون، يقول أبو محمد الحموي لـ”سوريا 24”: “من وقت ما انهدم بيتي وانسحب الحديد وأنا عايش بالإيجار. ما رح سامح حدا بحقي”. شهادة تختصر معاناة آلاف العائلات التي خسرت منازلها ولم تحصل على أي إنصاف أو تعويض.
أما هناء، وهي نازحة تقيم في أحد مخيمات الشمال السوري، فترى أن الاتفاق “يتجاهل جذور المأساة”، وتقول: “في مئات آلاف الناس بالمخيمات اليوم لأن بيوتهم تدمرت أو انسرقت. في بيوت كانت سليمة وتحتاج شوية ترميم، لكن انكسرت أسقفها حتى يسحب الحديد لمصانع معروفة. لو تركت، كان ممكن نرجع نسكن فيها”.
في السياق الأوسع، يعيد هذا الجدل طرح سؤال العدالة الانتقالية في سوريا، بوصفها مسارا قانونيا ومجتمعيا يهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة، عبر المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار. ويؤكد مختصون في هذا المجال أن العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، بل تقوم على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، خصوصا لمن لعبوا أدوارا مالية واقتصادية في دعم منظومات القمع.
ويشير منتقدو الاتفاق إلى أن جبر الضرر لا يمكن أن يختزل بتسويات قانونية أو تفاهمات فردية، بل يفترض حجز الأموال المنقولة وغير المنقولة التي جمعت بطرق غير مشروعة، ووضعها ضمن خطة وطنية شفافة لإعادة الإعمار، تعود بالنفع على الضحايا والمهجرين، لا على الجناة أو المستفيدين من الحرب.
ويرى هؤلاء أن تجاهل ملف المحاسبة الاقتصادية، أو إعادة تدوير رموز النهب تحت عناوين “فتح صفحة جديدة”، يهدد بتقويض الثقة الشعبية بأي مسار للعدالة، ويفتح الباب أمام إعادة إنتاج الظلم بأدوات مختلفة. فالسوريون، بعد أكثر من عقد من الخسائر البشرية والمادية، لا يطالبون بتصفية حسابات، بل بعدالة حقيقية تعترف بمعاناتهم، وتعيد لهم حقوقهم، وتضع أسس واضحة لمستقبل لا تبنى فيه التسويات على أنقاض البيوت والكرامة. أسماء ارتبطت، في الذاكرة العامة، باقتصاد الحرب والاستفادة من منظومة القمع.








