من دون سابق إنذار، اضطرت جمانة إلى مغادرة منزلها في حي الشيخ مقصود الغربي بالتزامن مع التصعيد العسكري. قالت لموقع سوريا 24: “خرجنا مع بدء القصف، وتم تأميننا من قبل الدفاع المدني، لكن احتياجاتنا كبيرة اليوم: نحتاج إلى التدفئة، والغذاء، وحليب الأطفال، والحفاضات”.
وأضافت أن النزوح جاء سريعًا ومفاجئًا، في وقت رأت فيه عائلات كثيرة نفسها مجبرة على الخروج تحت ضغط القصف والخوف، في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده مدينة حلب لليوم الثاني على التوالي.
يتزامن حديث السيدة جمانة مع التصعيد العسكري الذي تشهده المدينة لليوم الثاني على التوالي، وسط اشتباكات عنيفة وعمليات قصف وفرض حظر تجوال، بالتوازي مع موجة نزوح كبيرة للمدنيين من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، في وقت أعلنت فيه الجهات الرسمية بدء عمليات عسكرية مركزة وإطلاق خطة طوارئ إنسانية لإجلاء السكان وتأمينهم.
أم حمزة، وهي أم بلا معيل، قالت لموقع سوريا 24: إنها خرجت بسبب القصف، وأضافت: “تعبت من النزوح، عندي ولد مريض وما عندي معيل، زوجي متوفى، وابني عنده مرض ذهني ومرض بالقلب ويحتاج إلى رعاية عاجلة”.
وأوضحت أنها عاشت حالة من الرعب والخوف حتى تمكنت من الخروج، واستنجدت بإنهاء الحرب قائلة: “نتمنى أن تنتهي الحرب وأن تخمد أصوات المدافع بلا رجعة”.
ومن حي بني زيد، قالت أم محمد إنها خرجت من منزلها بسبب الضغط والقصف، مضيفة: “عندي ثلاثة أطفال أيتام وطفل مريض أيضًا، نحاول أن نؤمّنهم، والله يعلم مستوى الخوف الذي نعيشه”. وطالبت فقط بشيء من الهدوء قائلة: “نتمنى أن ننام بهدوء وأن نجد بعض راحة البال”.
أما الطفلة صباح، التي خرجت من حي الأشرفية، فقالت إنها لا تستطيع النوم من شدة البرد وبعد المسافة عن منزلها، وأضافت: “كنا في الأشرفية، وبعد الاشتباكات أخرجنا الأمن العام، أعاني من البرد ولا أستطيع النوم، منزلي بعيد ولا أستطيع العودة إليه”، مبدية خوفها من النزوح الطويل والتشرد، وهي متلازمة عانى منها ملايين السوريين خلال حكم نظام الأسد الساقط.
وفي المقابل، أشار أبو نشأت خلال حديثه لموقع سوريا 24 إلى صعوبات الخروج قائلًا: “للأسف، مقاتلو قسد لم يسمحوا لنا بالخروج بسهولة”.
حجم النزوح وتنظيم الاستجابة
أعلنت اللجنة المركزية لاستجابة حلب تسجيل موجة نزوح واسعة من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث بلغ عدد النازحين نحو 142 ألف شخص منذ بدء التصعيد، جرى إيواء أكثر من 13 ألفًا منهم خلال الساعة الأولى من انطلاق عمليات الإجلاء.
وأوضحت اللجنة أنها خصصت 80 آلية نقل ووزعتها على 12 مركز إيواء، منها 10 داخل مدينة حلب واثنان في أعزاز ومنبج، كما نظّمت عمليات خروج المدنيين بشكل آمن مع ضمان حرية التنقل واختيار الوجهة، ولا تزال تواصل استقبال الوافدين حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
مراكز الإيواء والاحتياجات
قال القائمون على مراكز الإيواء إن أبرز الاحتياجات الحالية تتمثل في الفرشات الإسفنجية، والأغطية، ومواد التدفئة، والخبز، والطعام الجاهز.
وسُجّل وجود نازحين في عدة مراكز داخل المدينة، أبرزها: جامع حذيفة في بستان القصر (نحو 47 شخصًا)، جامع زين العابدين في حلب الجديدة (نحو 300 شخص)، جامع الغفران في حلب الجديدة (نحو 30 شخصًا)، جامع عبد الله بن مسعود على طريق الباب (نحو 50 شخصًا)، وجامع جعفر في الحيدرية (نحو 20 شخصًا).
وفي جامع الغفران، سُجّل وجود 74 ذكرًا و150 أنثى و70 طفلًا، فيما سُجّل في جامع زين العابدين 130 ذكرًا و207 إناث و50 طفلًا.
وقال محمود مصري، من مجلس حي بستان القصر والكلاسة، لموقع سوريا 24 إنه جرى تجهيز مركز إيواء في جامع حذيفة، قسم للنساء وآخر للرجال، موضحًا أن “عدد الموجودين وصل إلى 36 شخصًا”، وأنه يحاول مع مجلس المدينة تأمين المستلزمات الأساسية والأدوية وحليب الأطفال، لكننا بحاجة عاجلة إلى فرش وبطانيات ومواد تدفئة”، مؤكدًا في ختام حديثه أنهم ينسقون أيضًا مع المحافظة والأوقاف لتأمين ما يلزم.
تنويه
تجدر الإشارة إلى أن الأرقام الواردة في هذا التقرير قابلة للتغيير في أي لحظة في ضوء التطورات الميدانية المتسارعة وحركة النزوح المستمرة، كما أن سلم الاحتياجات والأولويات الإنسانية قد يتغير أو يُسدّ جزئيًا من قبل الجهات المختصة في أي وقت خلال كتابة التقرير أو بعده.
استجابة مجلس المدينة
وفيما يتعلّق باستجابة مجلس المدينة، أوضح عضو المكتب التنفيذي في المجلس، المهندس عبد القادر نعناع، أن المجلس سيعمل على تأمين كل الاحتياجات، وقال لموقع سوريا 24: “نعمل على تأهيل مبانٍ إضافية تابعة للمجلس لاستقبال النازحين، مع توفير المواد الأساسية ومواد التدفئة لضمان الحد الأدنى من الاستقرار للعائلات المتضررة”، مؤكدًا كفاية مراكز الإيواء لاستقبال أعداد النازحين التي ترتفع مع الوقت.
وسط هذه الأرقام والخطط والتصريحات، تبقى الحقيقة الأوضح — كما قالت العائلات النازحة — أن المدنيين وحدهم هم من يدفعون الثمن الأكبر، بين خوفٍ ونزوحٍ ومرضٍ وفقدان، في انتظار لحظة هدوء تعيد لهم شيئًا من الأمان الذي غاب.








