لم تكن التطورات العسكرية التي شهدها حيا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب مجرّد اشتباك موضعي عابر، بل حملت في طياتها دلالات أعمق تتجاوز الجغرافيا المحدودة للحيّين، لتلامس مسار الصراع السوري ككل، ولا سيما ملف العلاقة المعقّدة بين الدولة السورية وميليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
فالحيّان المتجاوران في شمال حلب يشكّلان كتلة عمرانية واحدة ذات أهمية استراتيجية، بحكم إشرافهما على مناطق صناعية حيوية كمنطقة الليرمون وطريق الكاستيلو، وما تمثله هذه النقاط من شرايين اقتصادية وأمنية للمدينة. ومنذ خضوعهما لسيطرة “قسد” في سنوات الحرب، تحولا إلى بؤرتي توتر دائم، ما جعل أي تحرك فيهما محط أنظار محلية ودولية.
خلفيات التصعيد وأهداف العملية
وفق الرواية الرسمية الصادرة عن الحكومة السورية في دمشق، فإن العمليات العسكرية الأخيرة هدفت حصراً إلى “الحفاظ على الأمن ومنع أي نشاط مسلح داخل المناطق السكنية”، مع التأكيد على فتح ممرات إنسانية لتأمين خروج المدنيين.
في المقابل، نفت “قسد” وجود أهداف عسكرية داخل الحيين، متهمة الجيش السوري باستهداف المدنيين، ومحذّرة من أن التصعيد قد يفتح الباب أمام عودة البلاد إلى دوامة حرب شاملة.
غير أن قراءة المشهد الميداني توحي بأن الاشتباكات جاءت نتيجة تراكم طويل من الخروقات، في ظل تعثر تنفيذ التفاهمات السابقة، سواء اتفاق آذار الموقع في مارس/آذار 2025، أو الترتيبات اللاحقة الخاصة بالحيّين.
عملية موضعية لا معركة مفتوحة
المحلل العسكري زياد حاج عبيد يقدّم في حديث لمنصة سوريا 24، توصيفاً مغايراً لما جرى، مؤكداً أن ما حدث “ليس معركة بالمعنى التقليدي، بل جزء من عملية عسكرية محدودة، على قطاعات ضيقة، استهدفت ميليشيات قسد”.
ويضيف أن هذه الميليشيات “أبرمت سابقاً عدة اتفاقات للخروج من المنطقة، لكنها نكثت بها، واستمرت في قصف الأحياء المدنية وعرقلة الحياة اليومية في مناطق واسعة من حلب”، ما جعل العملية – برأيه – “ضرورة لإنهاء وجودها”.
وحول النتائج الميدانية، يشير حاج عبيد إلى أن العملية “أعادت الحياة تدريجياً إلى شرايين اقتصادية مهمة في المدينة”، لافتاً إلى أن المنطقة المتاخمة للأحياء الصناعية تضم مستودعات وورشاً حيوية لقطاع صيانة السيارات، كانت معطّلة بسبب وجود الميليشيات.
ويخلص إلى أن ما جرى “قد يدفع قسد لتكون أقرب إلى الاندماج والتوافق وتنفيذ اتفاق العاشر من آذار مع الحكومة السورية”، معتبراً أن الجهات المشغّلة للميليشيا – سواء من خارج الحدود أو من جبال قنديل – “لم تكن راغبة بإنجاح مسار الاندماج”.
نتائج سياسية: تضييق هامش المناورة
من زاوية سياسية وأمنية، يرى الباحث فاضل خانجي، في حديث لمنصة سوريا 24، أن المعركة “أفضت إلى خسارة قسد لرهاناتها في حلب”، بعدما عوّلت على الكثافة السكانية العالية لاستخدامها كورقة ضغط على الحكومة، ظناً منها أن الأخيرة لن تُقدم على عملية عسكرية واسعة بسبب التبعات الإنسانية والسياسية.
لكن الحكومة، بحسب خانجي، “طوّرت مقاربة شاملة ذات أبعاد عسكرية وأمنية وإنسانية”، تضمنت إعطاء الأولوية لخروج المدنيين، واستخدام تكتيكات دقيقة لاستهداف القدرات العسكرية لقسد، وصولاً إلى إجبارها على مغادرة الأحياء.
ويضيف أن التصعيد جاء نتيجة فشل الضغوط السياسية الدولية، ولا سيما الأميركية، في دفع قسد لتنفيذ اتفاق آذار، وكذلك اتفاق نيسان الخاص بالشيخ مقصود والأشرفية، ما سيؤدي إلى “إضعاف موقفها التفاوضي بشأن مستقبل شمال شرق سوريا”.
اتفاق آذار تحت الاختبار
اتفاق العاشر من مارس/آذار 2025، الذي نص على إنهاء الأعمال العدائية، ونقل مناطق الجزيرة السورية ومواردها النفطية إلى سيطرة الدولة السورية، مقابل دمج تدريجي لنحو 60 ألف مقاتل من “قسد” في الجيش السوري، شكّل آنذاك إطاراً سياسياً جامعاً.
غير أن تعثر تنفيذ بند الدمج، وتجدد الاشتباكات بعد انتهاء المهلة المحددة، وضع الاتفاق أمام اختبار صعب.
ويرى خانجي أن “إطار اتفاق آذار لم ينهَر بعد، رغم انهيار اتفاق نيسان”، لكن مساحات المناورة أمام قسد “ضاقت نسبياً”، خاصة بعد انتقال الضغط من المستوى السياسي إلى العسكري.
المواقف الدولية: بين التهدئة والقلق
دولياً، عكست المواقف الصادرة عن واشنطن وبروكسل حساسية التطورات، فقد رحّب المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، بوقف إطلاق النار المؤقت، وأبدى رغبة في تمديده، في مؤشر على حرص واشنطن على منع انفجار واسع في حلب، حيث تتشابك مصالح إقليمية ودولية معقدة.
في المقابل، ركّز الاتحاد الأوروبي على البعد الإنساني، معرباً عن قلقه من سقوط ضحايا مدنيين، وهو موقف ينسجم مع مقاربته التقليدية التي تضع الاستقرار الإنساني في صدارة أولوياته.
ورغم اختلاف اللهجة، تلتقي هذه المواقف عند نقطة جوهرية: رفض الانزلاق نحو تصعيد واسع قد يفرض معادلات جديدة يصعب ضبطها.
من المستفيد؟
في المحصلة، تتعدد دوائر الاستفادة من تطورات الشيخ مقصود والأشرفية، فالدولة السورية عززت موقعها الأمني والسياسي، وأثبتت قدرتها على إدارة التصعيد ضمن سقف محسوب.
المدنيون قد يكونون المستفيد الأكبر إذا ما تُرجمت التهدئة إلى استقرار دائم وعودة سريعة للحياة الطبيعية.
أما على المستوى الوطني الأوسع، فإن المستفيد الحقيقي هو مسار الاستقرار، الذي يحدّ من مشاريع الكانتونات، ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الجامعة.
هكذا، يتجاوز ما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية كونه حدثاً محلياً، ليغدو مؤشراً على مرحلة جديدة في سوريا، عنوانها إعادة ضبط موازين القوة، وتقديم السياسة المدعومة بالوقائع الميدانية على رهانات التصعيد المفتوح.








