بدأت مدينة حلب مرحلة متقدمة من تثبيت الأمن وعودة الخدمات الأساسية، عقب انتهاء التوترات التي شهدتها بعض أحيائها خلال الأيام الماضية، ولا سيما حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، مع توسّع انتشار قوى الأمن الداخلي، وبدعمليات أمنية وهندسية واسعة، بالتوازي مع خطط خدمية وإنسانية تهدف إلى إعادة الحياة الطبيعية وضمان سلامة الأهالي.
ميدانياً، انتشرت قوى الأمن الداخلي في كامل حي الشيخ مقصود بعد إخراج آخر المجموعات المسلحة، بالتزامن مع دخول الفرق الهندسية المختصة التابعة لوزارة الداخلية التي باشرت عمليات مسح أمني دقيقة داخل الحي. وأسفرت هذه العمليات عن تفكيك عدد من المواد المتفجرة المهيأة للاستخدام الإرهابي، شملت عربة مفخخة محمّلة بقذائف هاون، وعدداً كبيراً من الطائرات المسيّرة الانتحارية التي عُثر عليها داخل منازل مدنيين، إضافة إلى عبوات ناسفة زرعتها مجموعات مسلحة داخل المنازل وعلى أطراف الشوارع.
ووفق وزارة الداخلية، رصدت الفرق الهندسية أيضاً صاروخاً مفخخاً أثناء تنفيذ المهام الميدانية، جرى التعامل معه وفق الإجراءات الفنية والتقنية المعتمدة، حيث نُقلت المواد المتفجرة والطائرات المسيّرة إلى مواقع آمنة، فيما تم تفجير الصاروخ تحت إشراف مباشر من دون تسجيل أي إصابات بشرية أو أضرار مادية، في خطوة عُدّت أساسية لتأمين الحي وتهيئته لعودة السكان.
في السياق ذاته، أكدت الجهات الأمنية أن فرق تفكيك الألغام وإزالة مخلفات الحرب تواصل عملها لمعالجة القذائف غير المنفجرة والمخاطر المتبقية، مع تركيز خاص على محيط المشافي والمرافق الحيوية والأحياء السكنية، منعاً لأي تهديد محتمل قد يطال المدنيين.
وعلى المستوى الرسمي، أكد محافظ حلب عزام الغريب أن «الأوضاع الأمنية تشهد عودة تدريجية للاستقرار في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية لتعود المدينة إلى حالة من الأمان والاستقرار»، مشدداً على أن «صفحة القلق قد طُويت، وحلب اليوم آمنة بأهلها، قوية بوحدتهم، ومحصّنة بإرادتهم». وأضاف أن الجهات المعنية «تتابع أعمالها الميدانية بشكل مستمر لتثبيت الأمن وضمان عودة الحياة الطبيعية في جميع الأحياء»، مؤكداً أن «حلب اليوم آمنة وغدها أكثر استقراراً بإذن الله».
خدمياً، باشرت آليات مجلس مدينة حلب وفرق الدفاع المدني تنفيذ خطة شاملة في حي الشيخ مقصود، شملت تنظيف الشوارع، فتح الطرقات، إزالة الأنقاض والسواتر، وترحيل المخلفات، في إطار تهيئة الظروف الملائمة لعودة الأهالي واستئناف الحركة اليومية. وأكدت الجهات الخدمية أن الأعمال ستتواصل خلال الأيام المقبلة حتى استكمال تأهيل الطرقات وضمان عودة الخدمات الأساسية بشكل كامل.
وفي ملف الخدمات الحيوية، أعلن وزير الطاقة محمد البشير استئناف ضخ المياه من محطة البابيري في ريف حلب الشرقي بعد توقفها لعدة ساعات، مطمئناً أهالي المحافظة وريفها بعودة التغذية المائية تدريجياً إلى مختلف الأحياء. وقال البشير إن الوزارة «ملتزمة باتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضمان استقرار عملية الضخ وعدم انقطاعها»، مشيراً إلى أن المؤسسات المعنية «تواصل العمل لإعادة الخدمات الحيوية إلى محافظة حلب بجميع أحيائها وبلداتها».
إنسانياً، كشفت مديرية صحة حلب عن حصيلة ثقيلة جراء استهداف الأحياء السكنية خلال أيام التوتر، حيث بلغ عدد الضحايا 24 قتيلاً و129 مصاباً، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى حالات حرجة ما زالت تتلقى العلاج. وأكدت الكوادر الطبية استمرار تقديم الرعاية الصحية والمتابعة اللازمة للمصابين.
وفي حادث منفصل، أنقذت فرق الدفاع المدني رجلاً مسنّاً كان لا يزال على قيد الحياة عقب انهيار مبنى سكني مؤلف من أربعة طوابق في حي بني زيد، حيث جرى إسعافه ونقله إلى المستشفى، مع تأمين الموقع واتخاذ الإجراءات اللازمة، وسط معطيات أولية تشير إلى أن المبنى كان يعاني من تصدعات إنشائية قديمة.
بالتوازي، أعلنت الجهات العسكرية رفع الجاهزية شرق حلب بعد رصد تحركات وتعزيزات عسكرية في محيط جبهة دير حافر، مؤكدة أن القوات عززت خطوط انتشارها وهي مستعدة لكل السيناريوهات، في إطار إجراءات احترازية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار ومنع أي تصعيد محتمل.
وفي ظل هذه المرحلة، أصدرت محافظة حلب تعميماً دعت فيه الأهالي إلى الالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة ومنع تنظيم أي تجمعات أو احتفالات في الساحات العامة، حرصاً على السلامة العامة إلى حين استكمال الإجراءات الأمنية والفنية. وبين الجهود الأمنية والهندسية والخدمية المتواصلة، تمضي حلب بخطوات حذرة نحو طي صفحة التوتر، والدخول في مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاستقرار، استعادة الخدمات، وعودة الحياة الطبيعية إلى مختلف أحياء المدينة.








