أعادت مقاطع مصورة جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية تسليط الضوء على تصاعد حالات تعنيف الأطفال داخل منازلهم، على يد الوالدين أو زوج الأم أو زوجة الأب، في مشاهد صادمة تُظهر أطفالًا يتعرضون للضرب المبرح والإهانة اللفظية، داخل المكان الذي يُفترض أن يكون الملاذ الآمن لهم.
هذا الانتشار الواسع للمقاطع، رغم قسوته، فتح مجددًا ملف العنف الأسري ضد الأطفال، وكشف عن ثغرات قانونية وتقصير واضح في تطبيق القوانين القائمة، وسط غياب آليات حماية فعالة.
قوانين موجودة… لكن بلا تطبيق
تؤكد المحامية أسماء نعسان أن التشريعات السورية تتضمن نصوصًا قانونية تُجرّم الاعتداء على الأطفال، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع.
وتوضح نعسان أن العقوبات المفروضة على تعنيف الأطفال غالبًا ما تُصنّف ضمن الحد الأدنى، إذ تتراوح بين السجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات في حال لم يُسفر الضرب عن عاهة مستديمة، حتى في الحالات التي يكون فيها التعنيف شديدًا وواضح الأثر. وتضيف أن القانون ينص على تشديد العقوبة في حال إلحاق أذى دائم أو إذا كان الطفل دون سن الخامسة عشرة وغير مميز، إلا أن هذه المواد نادرًا ما تُفعل.
وترى نعسان أن المشكلة ليست في ضعف النصوص القانونية بحد ذاتها، بل في عدم احترامها أو الالتزام بتطبيقها داخل المحاكم، مشيرة إلى أن كثيرًا من القضايا تُغلق أو تُخفف عقوباتها بحجج اجتماعية، أبرزها تعاطي الأب للمخدرات أو اعتبار العنف “شأنًا عائليًا”، رغم أن تعاطي المواد المخدرة بات، بحسب تعبيرها، ظاهرة واسعة الانتشار وتزيد من خطورة العنف ضد الأطفال.
وتشدد على أن تطبيق القوانين القائمة بجدية كفيل بالحد من هذه الانتهاكات، قائلة: لو طُبقت القوانين كما هي، لما شهدنا هذا الكم من الاعتداءات.
سقوط حضانة الأم… وثغرة تُعرّض الأطفال للخطر
من جهتها، تنتقد الإعلامية والناشطة في قضايا حقوق الطفل والمرأة يافا نواف ما تصفه بـ “التمييز الجندري” في قوانين الحضانة، معتبرة أنه أحد الأسباب الرئيسية لتعريض الأطفال للعنف.
وتوضح نواف أن القانون يسقط حضانة الأم تلقائيًا في حال زواجها، بحجة الخوف على الأطفال من زوج الأم، في حين لا تُسقط حضانة الأب إذا تزوج، رغم أن الأطفال يعيشون فعليًا مع زوجة الأب لساعات طويلة، في ظل غياب الأب عن المنزل معظم اليوم.
وتقول نواف إن هذا الخلل القانوني يؤدي إلى وضع الأطفال مع أشخاص غرباء عنهم، دون ضمانات حقيقية لحمايتهم، مشيرة إلى حالات تعرّض فيها أطفال للعنف على يد الأب وزوجته، بينما تُحرم الأم من حق الحضانة ولا تملك أساسًا قانونيًا واضحًا للتقدم بدعوى حماية.
وتضيف أن الطفل غالبًا لا يستطيع التعبير عما يتعرض له بسبب الخوف أو صغر السن، كما أن شكاوى الأمهات المتكررة لا تُؤخذ بجدية كافية في المحاكم، في ظل غياب نص قانوني صريح وواضح يُجرّم العنف الأسري ضد الأطفال بشكل شامل، سواء صدر عن الأب أو زوجته أو زوج الأم.
عوائق اجتماعية وقضائية
إلى جانب الثغرات القانونية، تشير نواف إلى ضغوط اجتماعية كبيرة تمنع الأمهات من اللجوء إلى القضاء، سواء بسبب تهديد الزوج، أو الخوف من خسارة الأطفال نهائيًا، أو بسبب طول أمد التقاضي، الذي قد يمتد لأشهر أو سنوات، بينما يستمر الطفل في التعرض للعنف.
وتلفت إلى أن بعض القضايا لا تحظى بالتحرك الجدي إلا بعد تحولها إلى “ترند” على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما وصفته بالواقع المؤلم، مؤكدة أن آلاف الأطفال يتعرضون للعنف بعيدًا عن الأضواء، دون أي حماية.
كما تنتقد غياب تشريعات تحمي الأطفال من التشهير، إذ غالبًا ما يُنشر العنف الذي يتعرضون له على وسائل التواصل قبل معالجة القضية قانونيًا، دون وجود إطار قانوني ينظم ذلك.
مطالب بتشريعات جديدة وحماية فعلية
يخلص المصدران إلى أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من مجرد نصوص قانونية غير مفعلة، بل تحتاج إلى إرادة حقيقية لتطبيق القوانين، وسن تشريعات واضحة وصريحة تحمي الأطفال من جميع أشكال العنف الأسري، وتضمن حقهم في الأمان بعيدًا عن التمييز الجندري أو الضغوط الاجتماعية.
وتتساءل نواف عن دور الجهات التشريعية في هذا السياق، في ظل ما تصفه بـ “تعطيل التشريع”، معتبرة أن غياب قوانين حديثة لحماية الأطفال والأمهات يتركهم في دائرة مفتوحة من الانتهاكات، لا تنكسر إلا حين تتحول معاناة الطفل إلى مادة متداولة على وسائل التواصل.








