بدأت فرنسا أولى خطواتها العملية لإعادة جزء من أموال رفعت الأسد – عمّ الرئيس المخلوع بشار الأسد – إلى الحكومة السورية، بعد أكثر من أربعة عقود على تهريبه مليارات الليرات من خزينة الدولة إلى أوروبا.
وكشف مازن درويش، رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، أن الحكومة الفرنسية تستعد لتحويل 32 مليون يورو من أصول رفعت الأسد إلى دمشق، في إطار المرحلة الأولى من اتفاقيات التعاون المالي والقانوني بين البلدين، المستندة إلى قانون التنمية التضامنية ومكافحة اللامساواة العالمية الصادر عام 2021.
وأوضح درويش، في تصريح لنشرة “سوريا بالأرقام” الصادرة عن مركز كرم شعار للاستشارات، أن هذه الدفعة تمثل المرحلة الأولى من عملية إعادة الأموال المصادَرة، بينما يجري العمل على توسيع نطاق المصادرات لتتجاوز 80 مليون يورو، تشمل عقارات فاخرة في باريس ومدن فرنسية أخرى.
وأضاف أن الحكومتين السورية والفرنسية وقّعتا بروتوكولات تعاون مالي لتحديد مجالات استخدام الأموال، التي يُنتظر أن تُخصَّص لتمويل مشاريع تنموية وإنسانية داخل سوريا.
وأشار درويش إلى أن هناك تحركات قانونية في إسبانيا لتعقّب ممتلكات إضافية تخص رفعت الأسد، لافتًا إلى أن “الإصرار القانوني والمجتمعي على العدالة أثبت أن لا طريق مسدود أمام الضحايا”، في إشارة إلى مذكرة التوقيف الدولية التي صدرت عام 2023 بحق بشار الأسد، والتي وصفها بأنها “سابقة تاريخية أثبتت أن العدالة يمكن أن تطال الجميع مهما طال الزمن”.
كما كشف عن دعوى مرتقبة في الدنمارك ضد شركة دنماركية زوّدت الطائرات الروسية بالوقود بين عامي 2015 و2017، في خطوة ترمي إلى محاسبة الشركات المتورطة في دعم جرائم الحرب والمطالبة بتعويض الضحايا.
الأموال نُهبت من المال العام السوري
من جانبه، قال المحامي المعتصم الكيلاني، المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، لموقع سوريا 24، إن القرار الصادر عن المحكمة الابتدائية في باريس عام 2020 شكّل الأساس القانوني للحكم النهائي الصادر عن محكمة النقض الفرنسية، والذي قضى بمصادرة جميع أصول رفعت الأسد في فرنسا بعد ثبوت مصدرها غير المشروع.
وأوضح الكيلاني أن “القضاء الفرنسي اعتبر أن الأموال التي اشترى بها رفعت الأسد عقاراته مصدرها عمليات اختلاس واسعة من المال العام السوري خلال ثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب جرائم فساد وتهرب ضريبي في أوروبا”، مشيرًا إلى أن هذا يتيح للحكومة السورية الجديدة حق المطالبة باستعادتها.
وأضاف أن “المحكمة الفرنسية رفضت سابقًا إعادة الأموال إلى النظام السوري السابق، لخشيتها من استخدامها في قمع الشعب السوري”، موضحًا أن المرحلة الحالية “تشهد إجراءات إدارية وقانونية متقدمة لبدء عملية تحويل الأموال رسميًا”.
وذكر الكيلاني أن حجم أصول رفعت الأسد في فرنسا يُقدَّر بنحو 100 مليون دولار، فيما تصل الأموال المجمدة والمصادَرة في إسبانيا إلى 700 مليون دولار، مشددًا على أن “جميع هذه الثروات تمثل مالًا عامًا سوريًا منهوبًا يجب أن يُعاد إلى أصحابه الحقيقيين”.
وختم الكيلاني تصريحه بالتأكيد على أن هناك مذكرة صادرة عن الإنتربول الدولي لملاحقة رفعت الأسد تنفيذًا للأحكام القضائية الفرنسية، معتبرًا أن هذه الخطوة “تفتح الباب أمام محاسبة رموز الفساد والجرائم في النظام الأسدي السابق”.
تحرك برلماني رسمي في فرنسا
في سياق متصل، نشرت الجمعية الوطنية الفرنسية (Assemblée nationale)، في عددها الصادر بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 (الصفحة 9056)، سؤالًا برلمانيًا رسميًا من النائبة غابرييل كاتالا (Gabrielle Cathala)، عن حزب فرنسا الأبية (La France insoumise)، موجهًا إلى وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، حول شروط وآليات إعادة الأصول المصادَرة من رفعت الأسد إلى المجتمع المدني السوري.
وجاء في نص السؤال أن المادة الثانية من القانون رقم 2021-1031 تنصّ على أن عائدات مصادرة الأصول الناتجة عن جرائم غسل الأموال أو الاختلاس تُعاد إلى شعوب الدول المتضرّرة عبر مشاريع تنموية بإشراف وزارة الخارجية الفرنسية، شرط أن تكون الجريمة الأصلية قد ارتكبها مسؤول أجنبي أثناء ممارسته لمهامه العامة.
وأشارت كاتالا إلى أن محكمة النقض الفرنسية أصدرت، في 7 أيلول/سبتمبر 2022، حكمًا نهائيًا بسجن رفعت الأسد أربع سنوات ومصادرة ممتلكاته في فرنسا والمملكة المتحدة، والتي تُقدَّر قيمتها بنحو 90 مليون يورو، من بينها عقار Haras de Bessancourt في فال دواز، الذي عُرض للبيع مؤخرًا بقيمة 2.1 مليون يورو من قبل الوكالة الفرنسية لإدارة واسترداد الأصول المصادَرة (AGRASC).
ومن المقرر أن تُستكمل إجراءات البيع قبل منتصف عام 2026، على أن تُحوَّل العائدات لاحقًا إلى الحكومة السورية عبر قنوات رقابية دولية.
من هو رفعت الأسد؟
وُلد رفعت علي سليمان الأسد عام 1937 في القرداحة بمحافظة اللاذقية، وهو الشقيق الأصغر للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وعمّ الرئيس المخلوع بشار الأسد.
برز في سبعينيات القرن الماضي كأحد أقوى أركان النظام، حيث أسّس “سرايا الدفاع”، وهي ميليشيا عسكرية خاصة ارتكبت فظائع واسعة ضد المدنيين، أبرزها مجزرة حماة عام 1982، التي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتدمير المدينة.
عُرف رفعت داخل أروقة السلطة بلقب “جزار حماة” بسبب الدور المباشر الذي لعبته قواته في سحق الانتفاضة الشعبية حينها، قبل أن يحاول عام 1983 الاستيلاء على الحكم خلال مرض شقيقه حافظ الأسد.
لكن محاولته الانقلابية فشلت، وأُجبر على مغادرة البلاد عام 1984 بعد حصوله على مبالغ طائلة من المال العام السوري، قُدِّرت بمئات الملايين من الدولارات، مكافأةً على خروجه من المشهد السياسي والعسكري.








