زيارة تكسر الجليد: الاتحاد الأوروبي يفتح صفحة جديدة مع سوريا

Facebook
WhatsApp
Telegram

خاص - سوريا 24

في خطوة وُصفت بالتاريخية، سجّلت دمشق أول زيارة مشتركة على هذا المستوى لقادة الاتحاد الأوروبي، تمثلت في وصول رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في حدث سياسي لافت كسر سنوات طويلة من القطيعة والعزلة.

الزيارة، التي تأتي بعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية، لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل حملت رسائل سياسية واقتصادية واضحة، وأعادت رسم ملامح مقاربة أوروبية جديدة تجاه سوريا، بعد سقوط نظام الأسد السابق في كانون الأول 2024، وبدء مرحلة انتقالية مختلفة.

دمشق والاتحاد الأوروبي: إعلان فصل جديد

الاتحاد الأوروبي لم يترك مجالًا للتأويل، إذ أكد في بيان رسمي أن الزيارة تمثل “فتح فصل جديد في العلاقات مع سوريا”.

وخلال اللقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع، جرى بحث إعادة إطلاق العلاقات الثنائية على أسس جديدة، تقوم على دعم الانتقال السياسي، وإعادة إدماج سوريا إقليميًا، وتهيئة الأرضية لإعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي.

هذه الصيغة العلنية من التواصل السياسي المباشر، وعلى أعلى مستوى أوروبي، تعكس تحولًا نوعيًا في السياسة الأوروبية، وانتقالًا من نهج إدارة الأزمة عن بُعد إلى الانخراط المباشر مع الدولة السورية الجديدة.

ثلاثة محاور ترسم ملامح الشراكة المقبلة

الزيارة لم تكتفِ بالإشارات السياسية، بل حدّدت بوضوح محاور التعاون المقبلة، والتي اعتُبرت خارطة طريق أولية للعلاقة بين الجانبين:

شراكة سياسية جديدة: تهدف إلى دعم انتقال سلمي وشامل داخل سوريا، وتعزيز المصالحة الوطنية، وإعادة إدماج البلاد في محيطها الإقليمي، بما يضمن وحدة الدولة وإنهاء حالة الانقسام التي طبعت السنوات الماضية.

تعاون اقتصادي وتجاري أوسع: يشمل مشاركة سوريا في المبادرات المنبثقة عن “ميثاق البحر الأبيض المتوسط”، وفتح آفاق للاستثمار الخاص، ودعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، بما يربط سوريا تدريجيًا بالاقتصاد الإقليمي والدولي.

دعم مالي كبير: تقرر حزمة دعم مالية تقارب 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027، تتوزع بين مساعدات إنسانية، ودعم الانتعاش المبكر، ومساعدات ثنائية، في مؤشر عملي على الانتقال من الدعم الإغاثي البحت إلى دعم بناء الدولة.

رسائل سياسية من قلب الزيارة

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أكدت، في تصريح لافت، أن “عقودًا طويلة من الخوف والصمت وعنف الدولة بدأت تتراجع أمام الأمل وإمكانية التجديد”، مشددة على أن الاتحاد الأوروبي جاء “ليعمل من أجل سوريا وجميع السوريين”، بهدف بناء دولة سلمية وشاملة وآمنة.

وفي الوقت نفسه، ربطت فون دير لاين بوضوح بين الدعم الأوروبي وتنفيذ إصلاحات فعالة، معتبرة أن المصالحة المستدامة وإعادة الإعمار الناجحة لا يمكن أن تتحققا دون بناء الثقة بالمؤسسات وتعزيز الحكم الرشيد.

خلفية سياسية: من العزلة إلى الانخراط

تأتي الزيارة في سياق سياسي مختلف كليًا عما كان عليه المشهد خلال السنوات الماضية. فبعد سقوط نظام الأسد السابق، بدأت دمشق مرحلة إعادة تموضع دولي تدريجي، كان الاتحاد الأوروبي أحد أبرز أطرافه.

الاتحاد، الذي قدّم منذ عام 2011 أكثر من 38 مليار يورو دعمًا سياسيًا وإنسانيًا وماليًا، اتخذ في عام 2025 خطوات مفصلية، أبرزها رفع جميع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، ومشاركة السلطات الانتقالية لأول مرة في مؤتمر بروكسل التاسع، الذي أفضى إلى تعهدات مالية كبيرة.

كما شهد العام نفسه تنظيم “يوم الحوار” في دمشق، بمشاركة أكثر من 300 ممثل عن المجتمع المدني، في محاولة لبناء الثقة وترسيخ أسس مستقبل سياسي جامع.

دلالات التوقيت: رسائل تتجاوز البروتوكول

الصحفي محمد العويد يرى أن أهمية الزيارة لا تنفصل عن توقيتها، معتبرًا أنها تحمل رسالة موافقة ضمنية على مسار الدولة السورية الموحدة، لا سيما أنها جاءت بالتزامن مع دخول الدولة إلى حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، بما يعكس توجهًا أوروبيًا واضحًا لإنهاء مرحلة المليشيات خارج إطار الدولة.

ويشير العويد، في حديث لمنصة سوريا 24، إلى أن التعهدات المالية الأوروبية، وتزامنها مع إعادة فرنسا جزءًا من أموال رفعت الأسد المصادرة لصالح الدولة السورية، تعكس انتقالًا عمليًا من الخطاب السياسي إلى خطوات دعم ملموسة لمرحلة ما بعد النظام السابق.

من سياسة العزلة إلى واقعية المصالح

وتتجاوز دلالات الزيارة بعدها الرمزي، لتشير إلى إدراك أوروبي متزايد بأن تجاهل الواقع السوري لم يعد خيارًا عمليًا. فالملفات المرتبطة بإعادة الإعمار، والاستقرار الإقليمي، وعودة اللاجئين، وحماية المصالح الأوروبية في شرق المتوسط، تفرض مقاربة أكثر واقعية تقوم على الانخراط المنضبط بدل القطيعة.

كما تؤسس هذه الزيارة لمرحلة قد تُعيد إدراج سوريا في النقاشات الإقليمية والدولية، ليس كملف أزمة مزمن، بل كدولة في طور إعادة البناء، تحتاج إلى شراكات سياسية واقتصادية طويلة الأمد.

وقال الدكتور أنس البو، مستشار سياسي وخبير في العلاقات الدولية، في حديث لمنصة سوريا 24، إن الزيارة المشتركة الأولى لقادة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا تمثل محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية لما تحمله من دلالات سياسية واقتصادية عميقة، فهي تعكس اعترافًا أوروبيًا متزايدًا بضرورة الانخراط المباشر مع الواقع السوري الجديد، والانتقال من سياسة العزل إلى مقاربة تقوم على الحوار والانفتاح المرحلي.

وتابع أن الزيارة توصف بالتاريخية لأنها تعكس تحولًا من سياسة الابتعاد إلى الرغبة في الفهم والحوار المباشر، وبحث آفاق التعاون في مجالات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار ودعم الاستقرار الإقليمي.

كما تبعث الزيارة برسالة واضحة، مفادها أن سوريا عادت إلى دائرة الاهتمام الدولي كشريك لا كملف مجمّد، بما يخدم مصالح الطرفين ويعزز فرص التنمية والسلام في المنطقة، وفق تعبيره.

هل نحن أمام نقطة تحوّل؟

الزيارة المشتركة لقادة الاتحاد الأوروبي إلى دمشق لا تعني نهاية التحديات، لكنها تشكل نقطة تحوّل واضحة في مسار العلاقات، وفق المصادر التحليلية التي تحدثت لمنصة سوريا 24، فهي تؤشر إلى اعتراف سياسي أوروبي بمرحلة سورية جديدة، وتفتح الباب أمام مسار طويل من التفاوض والتعاون المشروط، عنوانه الأبرز: دعم الاستقرار مقابل الإصلاح.

مقالات ذات صلة