إسرائيل تراقب حلب وتتحرك جنوبا: توغلات على وقع التحولات الميدانية

Facebook
WhatsApp
Telegram

خاص - سوريا 24 - أحمد زكريا

في توقيت بالغ الحساسية، صعّدت إسرائيل من تحركاتها العسكرية جنوب سوريا، عبر توغلات جديدة في ريفي القنيطرة ودرعا، بالتوازي مع تطورات لافتة تشهدها الساحة السورية، أبرزها ما جرى في مدينة حلب ومخرجات الجولة الخامسة من المحادثات السورية–الإسرائيلية في باريس.

هذا التزامن أعاد طرح تساؤلات حول خلفيات التصعيد الإسرائيلي، وحدوده، وما إذا كان يشكّل رسالة سياسية تتجاوز الميدان، أو مؤشراً على تعثر المسار التفاوضي الذي تحاول واشنطن إحياءه.

انتهاكات متكررة وخرق لاتفاق 1974

التوغلات الإسرائيلية الأخيرة ليست حدثاً معزولاً، بل تأتي ضمن سياق اعتداءات متكررة وخرق مستمر لاتفاق فضّ الاشتباك الموقع عام 1974، إذ شهد الجنوب السوري خلال الأشهر الماضية عمليات توغل شبه يومية، رافقتها مداهمات واعتقالات وتجريف أراضٍ زراعية، وسط استمرار احتجاز عدد من الموقوفين حتى الآن.

وتنتشر قوات الاحتلال الإسرائيلي في تسع قواعد عسكرية داخل الأراضي السورية، ثماني منها في محافظة القنيطرة، وقاعدة واحدة في درعا، تمتد جغرافياً من قمة جبل الشيخ وصولاً إلى حوض اليرموك في أقصى الريف الجنوبي، ما يعكس تثبيتاً عملياً لواقع ميداني جديد.

دمشق، من جهتها، تؤكد أن جميع الإجراءات التي تتخذها إسرائيل في الجنوب السوري باطلة ولاغية ولا يترتب عليها أي أثر قانوني، مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لإلزام الاحتلال بالانسحاب الكامل من الأراضي السورية المحتلة، والالتزام باتفاقية فصل القوات.

جبل الشيخ: عقدة التفاهم الأمني

في مقابل الموقف السوري، نقلت صحيفة *معاريف* العبرية عن مصدر سياسي إسرائيلي تأكيده أن التوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق ما يزال صعباً، في ظل مطالبة الحكومة السورية بانسحاب إسرائيل من جبل الشيخ.

وأوضح المصدر أن تل أبيب تتمسك بعدم الانسحاب من الجزء الذي سيطرت عليه بعد عام 2024، معتبرة هذا المطلب السوري عقبة أساسية أمام أي تفاهم محتمل.

كما كشف المصدر أن إسرائيل عرقلت محاولات لنشر قوات روسية في جنوب سوريا، وأبلغت موسكو وواشنطن رفضها القاطع لأي وجود عسكري روسي في تلك المنطقة، في إشارة إلى سعيها لإدارة الملف الأمني جنوباً بشروطها الخاصة، بعيداً عن أي ترتيبات دولية لا تضمن تفوقها الميداني.

محادثات باريس: اختراق محدود

في السابع من كانون الثاني الجاري، اختتمت في العاصمة الفرنسية باريس الجولة الخامسة من المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، بوساطة أميركية، بعد توقف استمر قرابة شهرين.

ووصفت الجولة من قبل الأطراف المشاركة بأنها “إيجابية” وحققت “اختراقاً”، وجاءت نتيجة ضغوط مباشرة مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإعادة تحريك المسار المتعثر.

ورغم هذه الأوصاف، فإن جوهر الخلاف ما يزال قائماً، ويتمثل في الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية التي احتُلت بعد سقوط نظام الأسد السابق في الثامن من كانون الأول 2024.

وبينما تطالب دمشق بانسحاب كامل والعودة إلى خطوط ما قبل ذلك التاريخ، مع إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، ترفض تل أبيب أي انسحاب دون “ضمانات أمنية شاملة”، وتربط الملف باتفاق سلام كامل، معتبرة أن اتفاق 1974 بات “ملغى عملياً”.

حلب في الخلفية والجنوب في الواجهة

يتقاطع التصعيد الإسرائيلي جنوباً مع تطورات متسارعة في الشمال السوري، ولا سيما في مدينة حلب، عقب إخراج قوات سوريا الديمقراطية من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وما يرافق ذلك من توقعات بعمليات عسكرية محتملة في ريف حلب الشرقي، ولا سيما في منطقة دير حافر.

هذا الانشغال السوري الداخلي، وفق مراقبين، شكّل فرصة لإسرائيل لرفع منسوب الضغط الميداني جنوباً، في محاولة لفرض وقائع جديدة، أو اختبار حدود الرد السوري في مرحلة انتقالية معقدة.

قراءة تحليلية: رسائل أكثر من كونها قطيعة

الأكاديمي والباحث الدكتور طلال المصطفى يرى في حديث لمنصة سوريا 24، أن التوغل الإسرائيلي يأتي في “ظروف إقليمية شديدة الهشاشة”، حيث تتقاطع تطورات توحيد مدينة حلب مع مخرجات محادثات باريس التي عكست، برأيه، “عجزاً دولياً عن بلورة مقاربة موحدة للمسار السوري”.

ويضيف أن المحادثات لم تنتج آليات ردع أو ضمانات أمنية واضحة، ما فتح المجال أمام قوى إقليمية لفرض وقائع ميدانية جديدة، معتبراً أن التوغل الإسرائيلي “رسالة استباقية لإعادة رسم خطوط الردع”، أكثر مما هو إعلان صريح لفشل الاجتماعات

ويرى في حديث لمنصة سوريا 24، أن التوغل الإسرائيلي يرتبط بمنطق “استباق المخاطر”، واستثمار انشغال الداخل السوري بتطورات حلب، إضافة إلى توجيه رسائل ضغط لدمشق والوسطاء بأن الأمن الإسرائيلي سيُدار ميدانياً لا تفاوضياً.

هل ينذر التوغل بفشل المسار؟

حتى الآن، لا يبدو أن التوغلات الإسرائيلية تعني انهيار محادثات باريس، لكنها بلا شك ترفع كلفة التفاوض، وتحدّ من هامش المناورة السياسية، وتضع المسار برمته أمام اختبار صعب: إما ترجمة التفاهمات النظرية إلى التزامات ميدانية، أو بقاء الجنوب السوري ساحة مفتوحة لتكريس وقائع جديدة، قد تجعل أي اتفاق مستقبلي أكثر تعقيداً وأبعد عن التنفيذ.

من جانبه، يذهب المحامي والباحث في الشأن السياسي فراس حاج يحيى، إلى أن محادثات باريس بدت أقرب إلى “ترتيبات أمنية وتقنية لخفض التوتر”، وليست اتفاقاً سياسياً أو أمنياً شاملاً.

مقالات ذات صلة