في قلب أزقة مدينة الرقة، يقف محل صغير للأدوات النحاسية، كما لو أنه يحرس ذاكرة المدينة عبر عقود من التحولات والأحداث. هذا المكان ليس مجرد محل تجاري، بل شهادة حية على تاريخ اجتماعي وثقافي يربط بين أجيال المدينة. إنه محل عبد السلام عبد الغني للنحاسيات، الذي افتتحه والد العائلة عام 1960، ويُعد أقدم محل من نوعه في محافظة الرقة.
منذ بداياته وحتى اليوم، ظل المحل يقدّم خدمات تفوق مجرد البيع والشراء، إذ ارتبط بحاجات السكان اليومية وطقوسهم الاجتماعية. في حديثه لـسوريا 24، يوضح عبد السلام عبد الغني: “أسست هذه الحرفة في المدينة منذ أكثر من ستة عقود، ونسعى من خلالها للحفاظ على تراث نحتي عميق الجذور يتجاوز التجربة المادية ليعكس هوية المجتمع وثقافته.”
المحل يعرض تشكيلة واسعة من الأدوات المصنوعة يدوياً من النحاس، مثل القدور الكبيرة (الجدر النحاسي)، أواني الحليب والقهوة، والمغارف التقليدية، إضافة إلى خدمات الصيانة للأدوات القديمة. وتظل هذه المخزون التقليديّة محط اهتمام شريحة واسعة من الزبائن الذين يرون في النحاس رمزاً للجودة ومؤشراً على صلة عميقة بالماضي.
صمود في وجه التحولات
على الرغم من انتشار الأدوات الحديثة وسهولة الحصول عليها، لا يزال محل عبد الغني يقاوم التغيرات في نمط الاستهلاك. وفي تصريحه لـسوريا 24 حول استمرار العمل وسط بيئة اقتصادية واجتماعية متغيرة، قال: “الإبقاء على هذا النشاط ليس مجرد عمل تجاري؛ بل هو التزام تجاه تاريخ الرقة وهويتها. نعمل على خدمة المجتمع بمهنية، ونولي اهتماماً كبيراً للحفاظ على جودة المنتجات ورسالتها الثقافية.”
ويضيف: “يمثل هذا المحل جسراً بين الماضي والحاضر، وهو مكان تتقاطع فيه ذكريات الأجداد مع احتياجات الأجيال الحالية.”
مكانة اجتماعية وتقدير شعبي
يؤكد عدد من زبائن المحل في تصريحاتهم لـسوريا 24 أن زيارتهم ليست مجرد عملية شراء بل تجربة تذكّرهم بأصول حياتهم اليومية. أبو محمود أحد الزبائن قال: “نحن نفضل هذه الأدوات النحاسية لأنها تمثل ميزاناً من الجودة والتاريخ، ووجود مثل هذه الحرف في أسواقنا يعزز من شعورنا بالانتماء للمكان والتاريخ.”
ويضيف أبو محمود أن هذه الحرفة المتوارثة تحمل قيمة اجتماعية أعمق من مجرد الاستخدام المنزلي: “الأدوات النحاسية في بيوتنا ليست مجرد أدوات؛ بل هي جزء من تراثنا وذكرياتنا العائلية التي تحضر في كل مناسبة.”
تحديات وبارقة أمل
لم تكن السنوات الأخيرة سهلة على الرقة وأسواقها التقليدية، إذ شهدت المدينة تداعيات الحرب ونزوحاً واسعاً. ومع ذلك، ظل محل عبد الغني مفتوحاً قدر الإمكان، مستعيداً تدريجياً دوره مع عودة الحياة إلى الأسواق. وفي هذا السياق، قال عبد الغني لـسوريا 24: “عشنا أياماً صعبة، لكن الإصرار على الاستمرار والعمل هو ما أعاد لهذه المهنة حيويتها، ونحن نؤمن بأن التمسك بجذورنا هو السبيل لبناء مستقبل يُحترم فيه الماضي.”
لقد أصبح هذا المحل، بأدواته اللامعة وصيته العريقة، رمزاً للصمود والترابط الاجتماعي في الرقة، يربط بين حكايات الماضي وتطلعات الحاضر، ويجسد كيف يمكن للحرف التقليدية أن تبقى جزءاً من نسيج الحياة اليومية رغم كل الصعوبات.









