الشرع إلى برلين وسط جدل محتدم حول اللاجئين السوريين

Facebook
WhatsApp
Telegram

من المتوقع أن يصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة الألمانية برلين يوم الإثنين 19 يناير 2026 في زيارة رسمية، في أول لقاء على هذا المستوى بين رئيس سوري وقادة ألمانيا منذ سنوات طويلة، وفق ما نقلته صحيفة بيلد الألمانية. تأتي الزيارة بدعوة من المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وتعد محطة دبلوماسية محورية في العلاقات بين برلين ودمشق، بعد إعادة افتتاح سفارة ألمانيا في دمشق في مارس 2025، في أعقاب تغيّرات كبيرة في السياسة السورية بعد الثورة السورية التي استمرت 14 عامًا.

تحتل الزيارة موقعًا حساسًا على الساحة الألمانية، إذ تفتح نقاشات واسعة حول عودة اللاجئين السوريين، لا سيما الذين لديهم سجلات جنائية أو يُنظر إليهم على أنهم يشكلون خطرًا أمنيًا. كما ستتطرق المحادثات إلى تطبيق اتفاقيات الترحيل التي أبرمتها برلين مع دمشق لتنظيم عمليات العودة بشكل رسمي. ومن المتوقع أن تشمل الزيارة اجتماعات بين الشرع والمستشار ميرتس ومسؤولين كبار في الحكومة الألمانية، وسط مزيج من الاعتبارات الأمنية والإنسانية والاجتماعية.

جدل سياسي داخلي حول اللاجئين السوريين

الملف السوري لم يعد قضية بعيدة عن الحياة اليومية والسياسية في ألمانيا. اللاجئون السوريون الذين استقبلتهم ألمانيا منذ بداية الثورة أصبحوا محور نقاشات محتدمة بين الأطراف السياسية.

في المعسكر المحافظ، حذر وزير الداخلية من “تهديدات أمنية قائمة” تُنسب إلى بعض السوريين المصنفين كمجرمين، مؤكّدًا أن اتفاقيات الترحيل تهدف إلى إعادة هؤلاء بشكل قانوني ومنظم إلى سوريا. في المقابل، أعرب عدد من الوزراء في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي عن القلق من الترحيل الجماعي، مشددين على ضرورة ضمان العودة الطوعية والآمنة في ظل الظروف المتغيرة في سوريا.

من جانب آخر، يواصل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) الضغط باتجاه سياسة أكثر صرامة تجاه اللاجئين، معتبرًا أنهم يشكلون عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا، بينما تحذر منظمات حقوق الإنسان والجمعيات المدنية من تصاعد الخطاب المعادي للسوريين، الذي قد يؤثر سلبًا على الاندماج والمجتمع الألماني على المدى الطويل، لا سيما في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم.

أهداف الزيارة: الترحيل والعلاقات الثنائية ومسارات التعاون

أكدت مصادر دبلوماسية ألمانية وسورية أن المباحثات لن تقتصر على عودة اللاجئين المعرّفين كمجرمين، بل ستشمل إطارًا أوسع من التعاون بين برلين ودمشق. من المتوقع بحث تطبيق اتفاقيات الترحيل، وضمان تنسيق تقني وقانوني بين البلدين بما يحافظ على الإجراءات المتفق عليها.

في الوقت نفسه، تعكس الزيارة رغبة ألمانيا في تعزيز العلاقات الثنائية مع سوريا في مجالات سياسية وأمنية، وربما اقتصادية محدودة، تشمل مشاريع إعادة الإعمار أو التبادل التجاري.

البعد الاجتماعي والإنساني للزيارة

يعيش أكثر من مليون سوري في ألمانيا، يمثلون جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي لألمانيا. تتراوح أوضاعهم بين الاندماج العميق في المجتمع الألماني وبين تطلعهم إلى الاستقرار أو العودة إلى وطنهم. وتظل قضية العودة الآمنة والطوعية ملفًا حساسًا، حيث تتقاطع المصالح الفردية مع متطلبات السياسة الداخلية، التي تتوازن بين الضغوط الأمنية والاعتبارات الإنسانية والاجتماعية وتأثيراتها على الأجيال القادمة.

ويرى مراقبون أن نجاح الزيارة لن يُقاس فقط بتنفيذ بنود الترحيل، بل بمدى قدرتها على إنشاء مسارات عملية وآمنة للعودة الاختيارية، مع تقديم ضمانات إنسانية ملموسة وبناء ثقة متبادلة بين برلين ودمشق في ملفات تتطلب وقتًا طويلًا للحسم.

سياق تاريخي للعلاقات الألمانية-السورية

شهدت العلاقات بين ألمانيا وسوريا تقلبات طويلة. قبل الثورة السورية عام 2011، كانت هناك علاقات دبلوماسية طبيعية تضمنت تبادل السفراء والتعاون السياسي والتجاري. لكن بعد اندلاع الثورة، أغلقت ألمانيا سفارتها في دمشق عام 2012، وقلصت اتصالاتها الرسمية، مع انتقادات لاستخدام العنف ضد المدنيين وفرض عقوبات اقتصادية على النظام السوري.

بدأت فترة القطيعة بالتراجع بعد نهاية 2024، مع سقوط نظام بشار الأسد، وما تلا ذلك من حراك دبلوماسي ألماني نشط تجاه دمشق. وفي مارس 2025، أعادت ألمانيا افتتاح سفارتها في دمشق، في خطوة رمزية نحو الانخراط الدبلوماسي مع السلطات السورية الجديدة. خلال العام الماضي، شهدت العلاقات بين البلدين لقاءات عدة، أبرزها استقبال الرئيس الشرع لوزيرة الخارجية الألماني في دمشق أكتوبر 2025، حيث جرى بحث تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني في مرحلة ما بعد الثورة السورية.

زيارة الرئيس الشرع إلى برلين في 19 يناير 2026 ليست مجرد حدث دبلوماسي بروتوكولي، بل تمثل مؤشرًا على مرحلة جديدة في العلاقات بين أوروبا وسوريا، حاملةً فرصًا وتحديات سياسية واجتماعية، وتعكس التحولات الكبيرة في المنطقة بعد الثورة السورية الطويلة.

مقالات ذات صلة