بعد خروج “قسد” من حلب…أثر القذائف يهدد مستقبل الأطفال

Facebook
WhatsApp
Telegram

خاص - سوريا 24

لم تعد آثار الحرب في سوريا محصورة في الدمار العمراني أو الخسائر الاقتصادية، بل باتت تُقاس بشكل متزايد بعدد الأطفال الذين يعيشون إعاقات دائمة نتيجة القصف والانفجارات ومخلفات النزاع.

فالإصابة في الطفولة لا تعني ألمًا مؤقتًا فحسب، بل تغيّر مسار الحياة بالكامل، وتفرض على الطفل وعائلته واقعًا إنسانيًا طويل الأمد في ظل محدودية الخدمات الطبية والدعم النفسي.

وخلال التصعيد الأخير في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، سُجلت إصابات بين الأطفال، نتيجة القصف العشوائي لـ”قسد” على عدد من أحياء المدينة، أدت إلى إعاقات جسدية مستدامة.

وفي هذا السياق، قال مدير صحة مدينة حلب، الدكتور محمد وجيه جمعة، في تصريحات سابقة، إن حصيلة الاعتداءات التي شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية بلغت 21 قتيلًا و106 مصابين، بينهم أطفال ونساء ومسنون، جراء استهداف مباشر للأحياء السكنية الآمنة.

هذا التقرير يتابع إحدى هذه الحالات، وهي حالة الطفلة فاطمة الزهراء، وينقل شهادات عائلتها، والأطباء المعالجين، وخبراء نفسيين، إضافة إلى مبادرة إنسانية للتعويض، في محاولة لفهم حجم الأثر الإنساني والطبي والنفسي لهذه الإصابات.

“تغير كل شيء في لحظة واحدة”
قال أحمد أبو الشيخ، والد الطفلة فاطمة الزهراء (أربع سنوات ونصف)، إن طفلته كانت قد عادت من الروضة إلى المنزل الواقع قرب خط الجبهة، قبل أن تسقط قذيفة بشكل مفاجئ قرب المنزل.

وأوضح أن القذيفة تسببت بفقدان طفلته إحدى عينيها، إضافة إلى تشوهات في الوجه، مؤكدًا أن العائلة مدنية بالكامل ولا علاقة لها بأي نشاط عسكري.

وأضاف: “نحن مدنيون، ما ذنب هذه الطفلة حتى تُستهدف بهذا الشكل؟ لماذا تُغتال طفولة ابنتي بالقصف العشوائي؟”
الحالة مستقرة وتحتاج إلى جراحة ترميمية
وتابع موقع “سوريا 24” حالة الطفلة فاطمة الزهراء، بعد مرور أيام على إصابتها بقذيفة تسببت بفقدانها عينها، حيث قال الدكتور عبد القادر فرح، مدير مشفى الرازي، لموقع “سوريا 24″، إن الحالة الصحية للطفلة فاطمة الزهراء مستقرة حاليًا ولا تعاني مضاعفات طبية تهدد حياتها.

وأوضح أن الطفلة تحتاج إلى عملية تجميلية ترميمية على مستوى الوجه والعين في إطار إعادة التأهيل الوظيفي والشكلي، وليس بسبب حالة طبية طارئة، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات تُجرى عادة بعد اكتمال التئام الجروح.
مبادرة للتعويض بعد الشفاء

وبالتزامن مع الإعلان عن إصابة الطفلة فاطمة وفقدانها عينها، أعلن المركز العربي للتعويضات الوجهية عن استعداده لتقديم علاج تعويضي مجاني للطفلة، وقال مدير المركز عبد الرحمن يوسف لموقع “سوريا 24”: “نحن في المركز العربي للتعويضات الوجهية والعينية نعلن استعدادنا لتعويض العين المفقودة مجانًا، وذلك بعد تماثل الطفلة للشفاء بشكل كامل”.

وأوضح أن التعويض سيكون تجميليًا ويُجرى بعد تماثل الطفلة للشفاء بشكل كامل، أي بعد نحو أربعة أشهر تقريبًا، لضمان أفضل نتيجة ممكنة من الناحية الطبية.

ثلاثة أطفال من عائلة واحدة: قتيل وجريحان
ولم تقتصر أضرار القصف العشوائي لـ”قسد” خلال تواجدها في حيي الأشرفية والشيخ مقصود على الطفلة فاطمة، بل تسبب بمأساة لعائلة أخرى حُرمت من أطفالها فجأة، حيث أفاد عبد القادر عجم أن أبناء شقيقه الثلاثة أصيبوا داخل منزلهم في حي الميدان أثناء وجودهم مع والدتهم التي كانت تحضر لهم طعام الإفطار.

وأوضح أن القصف وقع بشكل مفاجئ، ما أدى إلى مقتل الطفل غيس عجم (أربع سنوات) في المكان، وبتر ذراع شقيقه إبراهيم (ست سنوات)، وإصابة شقيقهم الأكبر أحمد (12 عامًا) بشظية في الخاصرة.

وأشار إلى أن الطفل أحمد تلقى العلاج وخرج من المشفى بعد استقرار حالته، فيما لا يزال إبراهيم يخضع للعلاج نتيجة الإعاقة الدائمة التي لحقت به.

نمط متكرر من الاستهداف العشوائي
تشير هذه الوقائع، وفق مراقبين محليين، إلى نمط متكرر من استهداف المناطق السكنية دون تمييز، في مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف المدنيين، ولا سيما الأطفال.

ويؤكد مختصون أن هذه الإصابات لا تخلف فقط أضرارًا جسدية دائمة، بل آثارًا نفسية عميقة تطال الأطفال وعائلاتهم، وقد تمتد تبعاتها إلى مراحل لاحقة من حياتهم.

مطالبات بالمحاسبة والحماية
طالب ذوو الضحايا بوقف القصف فورًا، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف الأحياء السكنية، وتأمين حماية أفضل للأطفال، إضافة إلى توفير الدعم الطبي والنفسي اللازم للمصابين وعائلاتهم.

وحذر مختصون من أن استمرار هذه الانتهاكات سيؤدي إلى جيل مثقل بالإعاقات الجسدية والجراح النفسية، في ظل غياب الحماية الفعلية للمدنيين في مناطق النزاع.

تأثير الحرب والإصابات الجسدية على الصحة النفسية للأطفال
ومما لا شك فيه أن هذه الإعاقات الدائمة للأطفال الناجمة عن القصف العشوائي أو الألغام تنعكس على الحالة النفسية للأطفال، ففي هذا السياق، قال الأخصائي النفسي السريري للأطفا

ل بيرم جمعة إن الحروب تؤدي أولًا إلى زعزعة مفهوم الأمان الأساسي لدى الطفل، ما يشكل المدخل الرئيسي لظهور معظم الاضطرابات النفسية لاحقًا.

وأوضح جمعة لموقع “سوريا 24″ أن التأثيرات النفسية للحرب تظهر عبر ثلاثة مسارات رئيسية، هي: الاضطرابات النفسية، والتغيرات السلوكية، والاضطرابات الجسدية ذات المنشأ النفسي (السيكوسوماتية).

وأضاف أن أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا لدى الأطفال في سياق الحروب هي اضطراب ما بعد الصدمة،

والقلق الانفصالي، والاكتئاب، مشيرًا إلى أن هذه الاضطرابات تنعكس مباشرة على سلوك الطفل، وعلاقاته الاجتماعية، وأدائه التعليمي.

ورأى جمعة أن التغيرات السلوكية تمثل أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على تضرر الطفل نفسيًا، لافتًا إلى أن من أبرز هذه التغيرات: التبول اللاإرادي، واضطرابات الكلام، والعدوانية المفرطة، إضافة إلى الانسحاب الاجتماعي والعزلة.

وبيّن أن الفئة الثالثة من التأثيرات تتمثل في الاضطرابات الجسدية السيكوسوماتية، والتي تظهر على شكل آلام في الرأس أو البطن دون سبب عضوي واضح، إلى جانب اضطرابات النوم والكوابيس المتكررة، موضحًا أن كثيرًا من الأهالي يفسرون هذه الأعراض على أنها مشاكل جسدية بحتة، في حين أن منشأها نفسي بالدرجة الأولى.

وأشار جمعة إلى أن الأطفال الذين تعرضوا لإصابات جسدية خلال الحرب يكونون أكثر عرضة لمضاعفات نفسية،

بسبب تضرر صورة الجسد لديهم وتعاظم أثر الصدمة، مؤكدًا ضرورة أن يترافق العلاج الطبي مع دعم نفسي متخصص.

وشدد على أن الطفل المصاب بحاجة لأن يشعر أنه ما يزال شخصًا كاملًا له قيمة ومكانة، رغم ما تعرض له من فقدان أو إعاقة، موضحًا أن الأخصائيين يعملون في هذه الحالات باستخدام تقنيات متعددة، أبرزها العلاج باللعب وتقنيات إعادة البناء المعرفي.

وأوضح أن في حالات البتر أو الشلل، يتم العمل على ما يُعرف ببرامج الدمج، والتي تقوم على تعزيز الاستقلالية واستخدام الأدوات المساعدة كجزء من هوية جديدة إيجابية، بدلًا من النظر إليها كعلامة عجز.

ورأى جمعة أن مفهوم الدمج لا يزال يُطبق بشكل نظري أكثر منه عمليًا في المجتمع، مشيرًا إلى وجود عوائق اجتماعية وثقافية تحول دون تحقيقه فعليًا، من بينها خوف الأهالي من تعرض أطفالهم للتنمر أو الوصم داخل المدارس والمجتمع.

وأضاف أن إنشاء بيئات معزولة مثل مخيمات الأرامل أو مخيمات ذوي الإعاقة لا يمثل دمجًا حقيقيًا، بل يعمق العزل الاجتماعي ويكرس الوصم بدل معالجته.

وأكد جمعة أن مرحلة الطفولة المبكرة، وخاصة السنوات الأربع أو الخمس الأولى، تُعد الأكثر حساسية في تشكيل البنية النفسية للإنسان، مشددًا على أن التدخل المبكر يمثل العامل الأهم في الوقاية والعلاج.

وأوضح أن دماغ الطفل في هذه المرحلة يمتلك مرونة عصبية عالية، ما يجعل من الممكن تحويل التجارب الصادمة — في حال توفر الدعم النفسي المناسب — إلى عوامل نمو نفسي إيجابي، فيما يُعرف بـ”النمو ما بعد الصدمة”.
وشدد في ختام حديثه على أن غياب التدخل المبكر يرفع من احتمالية تحول هذه الجروح النفسية إلى اضطرابات مزمنة في المستقبل، مثل الاكتئاب الحاد، والأفكار الانتحارية، وصعوبات التكيف الاجتماعي وتكوين العلاقات.

وطالب جمعة بتكثيف برامج الدعم النفسي للأطفال المتأثرين بالحرب، وتأهيل الكوادر المتخصصة، ودمج الصحة النفسية ضمن الاستجابات الإنسانية والطبية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من عملية التعافي الفردي والمجتمعي.
الحرب تقتل أحلام الأطفال في سوريا
خلال أكثر من 14 سنة من الحرب في سوريا، ظل الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا، ليس فقط بلَكمة القصف، بل بتفكيك المجتمع ذاته.

حتى تقارير المنظمات الحقوقية توثق أرقامًا مروعة: بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 30,293 طفلًا منذ بدء النزاع في مارس 2011، منهم 225 طفلًا قضوا بسبب التعذيب، بينما لا يزال نحو 5,298 طفلًا في حالة اعتقال أو اختفاء قسري.

وتشير بيانات اليونيسف إلى أن الحرب أوقعت آلافًا آخرين من الأطفال قتلى أو جرحى خلال السنوات الأولى من النزاع، مع ما يقارب 13,000 حالة قتل وإصابة للأطفال في السنوات التي سبقت 2022، وفق توثيق الأمم المتحدة.

وإلى اليوم، يُعدّ الصراع سببًا في بقاء أكثر من 6.5 مليون طفل في حاجة إلى مساعدات إنسانية داخل سوريا،

وسط أوضاع تفاقمها النزوح، انعدام الأمن الغذائي، ونقص الخدمات الصحية والتعليمية.

أمام هذه الأرقام، لا يمكن اعتبار ما يجري مجرد “أثر جانبي” للحرب، بل أزمة حماية أخلاقية وإنسانية من الدرجة الأولى. حماية الأطفال في سوريا لم تعد مسألة مساعدات طارئة فقط، بل مسؤولية سياسية وقانونية وأخلاقية تقع على عاتق جميع الأطراف المحلية والدولية.

المطلوب اليوم هو تحييد الأطفال فعليًا عن أي صراع، وقف جميع الانتهاكات بحقهم، إزالة مخلفات الحرب التي تحصد أرواحهم بصمت، إعادة الأطفال إلى المدارس، وتأمين الدعم النفسي والاجتماعي لجيل نشأ وسط العنف والفقد.

إن حماية الطفولة ليست بندًا إنسانيًا هامشيًا، بل هي الشرط الأساسي لأي سلام حقيقي ومستدام — فبلد لا يحمي أطفاله لا يستطيع أن يحمي مستقبله.

مقالات ذات صلة