أثار انقطاع المياه عن مجرى نهر تورا، وهو فرع من بردى، بعد تحويله إلى النهر الأساسي في الغوطة الشرقية، موجة من الجدل والتساؤلات بين الأهالي والفلاحين، في ظل استمرار معاناة القطاع الزراعي من نقص حاد في مياه السقاية، الأمر الذي دفع إدارة منطقة الغوطة إلى توضيح ملابسات الملف وخلفيات الأزمة.
وقال مدير منطقة الغوطة، محمد علي عامر، في توضيح لسوريا 24، إن قضية المياه كانت من أولى الملفات التي جرى التركيز عليها عقب استلام إدارة الغوطة مهامها، ولا سيما خلال اللقاءات مع الفلاحين، حيث تبين أن النظام السابق دمّر بعض مسارات المياه في الغوطة، كما عطّل عودة مياه المعالجة من محطة معالجة عدرا إلى الغوطة وضخّها باتجاه مناطق بعيدة عنها، لتُستخدم في ري أراضٍ يعود بعضها بالنفع لأشخاص منتفعين مرتبطين بالفرقة الرابعة التابعة لنظام الأسد، بما في ذلك مساحات واسعة تُزرع بمحاصيل مخالفة، في وقت كانت فيه الغوطة تُدفع تدريجيًا نحو التصحر.
وأوضح عامر أن الدراسات التي أُجريت لاحقًا كشفت خللًا كبيرًا في ملف الصرف الصحي، إذ إن المياه التي يُفترض أن تصل إلى محطات المعالجة ثم تُعاد لاستخدامها في ري أراضي الغوطة، لم يكن يصل منها أصلًا إلى محطة المعالجة إلا القليل، بسبب التعديات على الخط الواصل إليها من دمشق في عدة مناطق، ما حرم معظم أهالي الغوطة من الاستفادة منها بشكل كامل.
وأشار إلى أن الإدارة عملت على إصلاح خطوط الصرف الصحي القادمة من دمشق باتجاه محطة المعالجة، مؤكدًا أن المياه يجب أن تُعالج ويُعاد ضخها باتجاه الغوطة، إلا أن ذلك واجه تعديات واسعة وصعوبات كبيرة، قبل أن تتمكن الجهات المعنية من إيصال المياه إلى محطة عدرا.
وبيّن عامر أن محطة عدرا تعاني من مشكلات فنية كبيرة، تشمل الأعطال الميكانيكية والكهربائية، إلى جانب ضعف الكوادر، لافتًا إلى أن كلفة الصيانات الإسعافية المتعلقة فقط بملف الصرف الصحي تجاوزت 200 ألف دولار منذ البدء حتى الآن، بهدف إعادة ضخ المياه المعالجة إلى الغوطة.
ولا تزال الإدارة تنتظر جهة تقوم بإعادة تجديد وتطوير المحطة التي عانت من الإهمال زمن نظام الأسد، وأضاف أن الجهود نُفذت بالتنسيق بين الموارد المائية ووزارة الطاقة والجهات الأمنية، إلى أن جرى ضبط الملف والوصول إلى مرحلة عودة المياه إلى المحطة.
نهر بردى.. أين تكمن الإشكالية؟
وفيما يخص الجدل الدائر حول نهر بردى ونهر الأعوج، أوضح عامر أن العمل على فتح مجاري الأنهار بدأ منذ أكثر من خمسة أشهر، في ذروة فصل الصيف، حيث لم يكن هناك أي جريان مائي، بل كانت الأنهار جافة وبعض مساراتها مطمورة، وهو ما دفع بعض الأهالي إلى التشكيك بالعمل القائم.
وأكد أن فرق الإدارة، بالتعاون مع الموارد المائية، وبتوجيه من كوادر فنية وإدارية مختصة، واصلت العمل دون انقطاع، وشمل ذلك ريّ الأنهار، وإزالة التعديات، وفتح المسارات التي طُمست أو بُنيت فوقها منشآت مخالفة، مشيرًا إلى أن نسبة الإنجاز وصلت إلى نحو 80% حتى الآن.
ولفت إلى أن بعض مجاري الأنهار لم يعد لها أثر واضح على الأرض، نتيجة التعديات العمرانية، ما اضطر الفرق للعمل على إعادة رسمها بالتعاون مع المصالح العقارية، وفق مخططات الأنهار، مع إزالة عدد كبير من التعديات والمحال المبنية ضمن مجاري المياه.
وأوضح أن الغوطة تتغذى من عدة فروع مائية، أبرزها فروع نهر بردى (يزيد، تورا، العقرباني، المليحاني، الزبديني، الدعياني)، إضافة إلى نهر الأعوج القادم من جهة المنطقة الجنوبية الغربية، مبينًا أن نهر بردى يعتمد أساسًا على نبع بردى، نبع الفيجة، نبع عين الخضراء، ومصادر مائية من منطقة بلودان، والتي تبدأ بالتدفق عادة مع بداية فصل الربيع.
وشدد عامر على أن ما يُشاهد حاليًا من مياه في بعض المقاطع ليس جريانًا طبيعيًا للنهر، بل ناتج عن سيول الأمطار أو تسربات من مجاري الصرف، موضحًا أن التدفق الحقيقي لبردى يُتوقع عادة بين شهري شباط وآذار، وقد يمتد إلى مطلع نيسان.
وأضاف أن الفرق المختصة تعمل حاليًا على استكمال فتح مجرى النهر، بما يضمن وصول المياه من الربوة باتجاه الغوطة، بالتنسيق مع محافظة دمشق وباقي المناطق المعنية.
وأكد مدير منطقة الغوطة أن الإدارة وضعت خطة متكاملة لمدة ستة أشهر لمعالجة التعديات، سواء على نهر بردى أو نهر الأعوج، وضمان حصول الغوطة على حصتها المائية، معربًا عن تفاؤله بأن تكون المنطقة جاهزة قبل موسم الربيع لاستقبال المياه وإعادتها إلى مختلف أنهار الغوطة.
مخاوف الفلاحين ومعاناة مستمرة
في المقابل، عبّر عدد من فلاحي الغوطة الشرقية عن معاناتهم المستمرة من نقص مياه الري، مؤكدين أنهم حُرموا منها خلال سنوات سيطرة النظام السابق، بذريعة عدم صلاحية المياه للزراعة، في حين كانت تُستخدم المصادر ذاتها لري مناطق أخرى.
وأشار الفلاحون إلى أن هذا الواقع أدى إلى جفاف معظم الآبار السطحية، وتراجع كبير في النشاط الزراعي، مطالبين الجهات المعنية بالإسراع في تنظيف وكري مجرى نهر بردى، وإصلاح المقاسم المائية، لما لذلك من دور أساسي في رفع منسوب المياه الجوفية واستعادة الغوطة لدورها الزراعي التاريخي.








