شهد المشهد الميداني في الجزيرة السورية تحولات لافتة خلال الأيام الماضية، أعادت رسم خريطة السيطرة والنفوذ بعد سنوات من التعقيد والتشظي.
وأعلنت الرئاسة السورية، يوم الأحد، التوصل إلى اتفاق مع “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، يقضي بوقف إطلاق النار ودمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لها ضمن مؤسسات الدولة السورية، وذلك عقب توترات ميدانية انسحبت على إثرها “قسد” من محافظتَي الرقة ودير الزور باتجاه الحسكة.
هذه التطورات المتسارعة تزامنت مع إعلان هيئة العمليات في الجيش السوري دخول قواتها إلى منطقة غربي نهر الفرات، انطلاقًا من مدينة دير حافر في ريف حلب الشرقي، في خطوة وُصفت بأنها ذات دلالات استراتيجية وعسكرية وسياسية عميقة، لا سيما أنها تفتح الطريق أمام بسط سيطرة الدولة على مناطق لطالما شكلت بؤر صراع ونفوذ متداخل منذ عام 2012.
عودة الدولة إلى قلب الشرق السوري
تمثل سيطرة الدولة السورية على مدن محورية مثل الطبقة والرقة، إضافة إلى مناطق واسعة في الجزيرة السورية وريف دير الزور، نقطة تحول مفصلية في مسار الصراع السوري.
فهذه المناطق كانت، خلال العقد الماضي، مسرحًا لتناوب قوى متعددة، من تنظيم “داعش” إلى ميليشيات محلية مدعومة من أطراف خارجية، ما جعلها واحدة من أكثر الجغرافيات السورية هشاشة وتعقيدًا.
دخول الجيش السوري إلى مناطق في الجزيرة السورية، بالتوازي مع الاتفاق المعلن مع “قسد”، يعني عمليًا استعادة الدولة لممر جغرافي استراتيجي يربط شمال البلاد بشرقها، ويعيد توحيد مساحات واسعة كانت خارجة عن السيطرة المركزية، الأمر الذي ينعكس على المستويين الأمني والسياسي.
قراءة سياسية للحدث
في هذا السياق، قال الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور رضوان زيادة، في حديث لمنصة سوريا 24: “لأول مرة منذ عام 2012 بدأت حكومة دمشق تبسط سيادتها فوق كل الأراضي السورية، وخاصة الرقة ودير الزور. مرّت على هذه الأرض خلال العقد الماضي الكثير من الدول والميليشيات الانفصالية والإرهابية مثل داعش وقسد وغيرها. اليوم تعود الأرض السورية الطاهرة إلى أهلها، كم هو شعور جميل بالنسبة للسوريين أن شعار الثورة يتحقق من جديد (واحد واحد واحد الشعب السوري واحد)، والأرض السورية موحدة بترابها وسمائها”.
ويعكس هذا التصريح قراءة ترى في التطورات الأخيرة تتويجًا لمسار طويل من الصراع، ومحاولة لإعادة ترميم مفهوم السيادة الوطنية بعد سنوات من الانقسام والتدخلات الخارجية، التي جعلت شرق سوريا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
البعد الكردي وهواجس الإدارة
من جهته، قدم شلال كدو، رئيس حزب الوسط الكردي في سوريا، مقاربة مختلفة تركز على ما بعد السيطرة العسكرية، محذرًا من اختزال المشهد في بعده الأمني فقط.
وقال كدو في حديث لمنصة سوريا 24: “إن سيطرة الدولة السورية على الطبقة والرقة ومناطق في الجزيرة السورية مثل دير الزور وريفها تمثل محطة مفصلية في مسار تنفيذ الاتفاقيات الميدانية بين الجيش السوري وقسد، لكنها في الوقت ذاته تضع الدولة أمام اختبار حقيقي يتمثل في كيفية إدارة هذه المناطق على أساس الشراكة الوطنية والاعتراف بالتعدد القومي والسياسي”.
وأضاف أن نجاح هذه الخطوة “لا يُقاس فقط بالانتشار العسكري أو الإداري، بل بقدرة الدولة على إطلاق مسار سياسي جامع، يطمئن مكونات المنطقة، ويؤسس لحكم رشيد قائم على اللامركزية والعدالة والمواطنة المتساوية، بما يعزز الاستقرار ويمنع عودة الأزمات بصيغ جديدة”.
وتعكس هذه الرؤية مخاوف شريحة من القوى السياسية الكردية والعشائرية في الجزيرة السورية، التي ترى أن المرحلة المقبلة يجب أن تتجاوز منطق الغلبة العسكرية، نحو إدارة تشاركية تعالج تراكمات السنوات الماضية.
أبعاد إقليمية ودولية
لا يمكن فصل ما يجري في الطبقة والرقة والجزيرة السورية عن السياق الإقليمي والدولي، فهذه المناطق كانت، لفترة طويلة، محل اهتمام قوى دولية، في مقدمتها الولايات المتحدة، بسبب موقعها الجغرافي ومواردها، ولا سيما النفط والغاز.
وبالتالي، فإن إعادة بسط سيطرة الدولة عليها تحمل رسائل سياسية تتجاوز الداخل السوري، وتؤشر إلى تغير في موازين القوى، وربما إلى تفاهمات غير معلنة بين أطراف دولية فاعلة.
ما الذي تعنيه المرحلة المقبلة؟
عمليًا، تفتح هذه التطورات الباب أمام مرحلة جديدة في الجزيرة السورية، عنوانها الأساسي هو إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة دمج المناطق التي عاشت لسنوات خارج الإطار الإداري المركزي.
غير أن التحدي الأكبر سيبقى في كيفية إدارة هذا الانتقال، وضمان عدم تفجر توترات جديدة، سواء على أساس قومي أو اجتماعي أو اقتصادي.
في المحصلة، فإن سيطرة الدولة السورية على الطبقة والرقة ومناطق واسعة من الجزيرة السورية لا تمثل مجرد تقدم ميداني، بل حدثًا سياسيًا بامتياز، ستكون تداعياته حاضرة بقوة في مسار الحل السوري، داخليًا وإقليميًا، خلال المرحلة المقبلة.








