رغم الزخم الإعلامي الذي رافق حملات التبرعات لإعادة إعمار المحافظات السورية، لا سيما إدلب وحلب، لا تزال عودة آلاف العائلات النازحة إلى قراها ومناطقها الأصلية تواجه عقبات كبيرة، في مقدّمتها الفجوة بين الأرقام المعلنة والمبالغ التي وصلت فعليًا إلى الأرض، إلى جانب إشكاليات بنيوية أعمق تتعلق بالإدارة والحوكمة وطبيعة المقاربة الحكومية لملف التعافي.
تعهدات لم تُسدَّد… ومسؤولية غائبة
يقول الزميل في منصة سوريا 24 أيهم البيوش، أحد المشاركين في تنظيم حملات التبرعات، إنّ جميع المتبرعين الذين شاركوا في هذه الحملات وقّعوا على أوراق تعهّد رسمية تتضمّن المبالغ التي التزموا بدفعها، ومرفقة بأرقام تواصل واضحة، بهدف ضمان الجدية والشفافية.
لكن، وبعد مرور أشهر على إطلاق هذه الحملات، لم يُسدَّد جزء كبير من تلك التعهّدات، رغم الإعلان عنها علنًا أمام الرأي العام.
ويشير البيوش خلال حديثه لموقع سوريا 24 إلى أنّ ما جُمع فعليًا لا يزال محدودًا، إذ لم تصل إلى إدلب سوى 12 مليون دولار من أصل أكثر من 208 ملايين دولار أُعلن عنها، فيما لم تجمع حلب سوى نحو 3.5 ملايين دولار من أصل 480 مليون دولار.
ويؤكد البيوش أنّ هذا التأخير انعكس مباشرة على وتيرة إعادة تأهيل المناطق المتضررة وعودة الأهالي إليها، رغم أنّ جزءًا من الأموال التي وصلت أُنفِق في مشاريع خدمية ملموسة، مثل ترميم مدارس، وحفر آبار مياه، وتشغيل أفران، وإزالة أنقاض.
وبحسب البيوش فإنّ محدودية موارد الدولة تمنعها من إعادة الإعمار، وأنّ معظم عائداتها من المعابر تذهب لتمويل رواتب الموظفين الحكوميين، داعيًا إلى ملاحقة المتعهدين غير الملتزمين، باعتبار ذلك شرطًا لعودة كريمة للنازحين.
التبرعات ليست بديلًا عن دور الدولة
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أنّ تحميل حملات التبرعات أو منظمات المجتمع المدني مسؤولية إعادة إعمار المناطق أو عودة النازحين يُعدّ هروبًا من مسؤولية الدولة، موضحًا أنّ الحكومة غالبًا ما تلجأ إلى نقل العبء من المؤسسات الرسمية إلى المجتمع، رغم أنّ هذا المجتمع منهك أصلًا ولا يمتلك حرية الحركة.
ويشير الكريم إلى أنّ منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية باتت تخضع لرقابة مشددة من وزارة الخارجية، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والإدارة المحلية، ما قيّد قدرتها على العمل، وجعل تحميلها مسؤولية إنقاذ المجتمع أمرًا غير واقعي.
ويضيف أنّ التبرعات نفسها لم تأتِ في كثير من الأحيان نتيجة تعاضد اجتماعي طبيعي، بل ضمن سياق سياسي–اقتصادي، حيث جرى التعامل مع الموارد ومؤسسات الدولة بوصفها أدوات لإعادة إنتاج الولاء السياسي، لا لتحقيق تنمية مستدامة.
ووفق الكريم، فإنّ جزءًا من التعهّدات كان قائمًا على هذا الولاء، لكن بعض المتبرعين لم يجدوا لاحقًا ما كانوا يطمحون إليه من الحكومة، فامتنعوا عن تسديد التزاماتهم.
كما ينتقد الكريم التراخي الحكومي في متابعة التعهّدات، مشيرًا إلى أنّ هذه الالتزامات، التي أُعلنت علنًا وفي سياق إنساني، كان ينبغي التعامل معها كديون واجبة السداد، وفق أبسط القواعد القانونية، لا تركها من دون مساءلة.
أرقام رسمية تزيد الأسئلة
وتتقاطع هذه القراءة مع ما كشفه محافظ إدلب محمد عبد الرحمن، الذي أعلن أنّ المبلغ الذي وصل فعليًا إلى إدارة المحافظة لا يتجاوز 12 مليون دولار من أصل 208 ملايين دولار أُعلن عنها ضمن حملة «الوفاء لإدلب»، متسائلًا: «أين ذهب باقي المبلغ؟ أو أين جلّه بالأحرى؟».
في المقابل، أعلن محافظ حلب عزّام الغريب أنّ المحافظة ستكشف قريبًا عن نتائج التدقيق في تعهّدات حملة «حلب ستّ الكل»، بالتوازي مع إطلاق مشاريع خدمية وتنموية لعام 2026، مؤكدًا أنّ الأولوية ستُمنح للمناطق الأكثر تضررًا.
خلل إداري وسقف توقعات مرتفع
ويعيد الكريم جزءًا من الأزمة إلى خلل بنيوي في الإدارة المحلية، يتمثّل في ضعف ترتيب الأولويات، ورفع سقف الخطاب الرسمي والطموحات بما لا يتناسب مع الإمكانات المتاحة. ويرى أنّ هذا التناقض خلق فجوة بين وعود الدولة وتوقعات المواطنين، وأسهم في شعور متزايد بالغبن، لا سيما في ظل غياب العدالة الانتقالية، وخصوصًا في بعدها الاجتماعي.
ويضيف أنّ تضخيم الخطاب حول مليارات الدولارات والمشاريع الاستثمارية الكبرى، في وقت لا تتوافر فيه مساعدات حقيقية أو موارد كافية، زاد من حالة الإحباط، بدل أن يقدّم حلولًا واقعية.
السيول… اختبار قاسٍ للواقع
وجاءت السيول الجارفة التي ضربت ريفي إدلب واللاذقية، مطلع شباط الجاري، لتكشف هشاشة الواقع الخدمي والمعيشي.
فقد أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تضرر 14 مخيمًا في منطقة خربة الجوز غربي إدلب، وتضرر نحو 300 عائلة بعد غمر الخيام وجرف الممتلكات، ما اضطر السلطات إلى إنشاء مراكز إيواء مؤقتة في مدارس ريف إدلب الغربي.
ويرى الكريم أنّ هذه الكوارث المتكرّرة تفضح الاعتماد المستمر على حلول إسعافية مؤقتة، بدل الاستثمار في معالجة جذور المشكلة.
بين الاستثمار والترميم الجزئي
في هذا السياق، يقدّم سارية البيطار مدير فريق الحياة التطوعي قراءة أكثر مباشرة للواقع، معتبرًا أنّ الاستثمارات المطروحة حاليًا لا تُعنى بالبنية التحتية من الأساس، بل تتركّز في قطاعات لا تمسّ احتياجات العائدين الفعلية، مثل السكن والخدمات الأساسية.
ويؤكد البيطار لموقع سوريا 24 أنّ الدولة غير قادرة ماليًا على ترميم منازل المهجّرين أو إعادة إعمارها، ولذلك لجأت إلى حملات تضامنية بهدف دعم ترميم البنية التحتية. غير أنّ هذه الحملات، بحسب البيطار، لم تجمع حتى الآن مبالغ قادرة على إعادة الحياة إلى هذه البنى أو تأمين عودة واسعة ومستقرة للسكان.
ويشدّد على أنّ المشكلة لا تكمن فقط في حجم التمويل، بل في غياب رؤية واقعية، إذ لا يُشترط، برأيه، إعادة إعمار المنزل بشكل كامل كي تعود العائلة، بل يمكن الاكتفاء بترميم جزئي يؤمّن الحد الأدنى من السكن الآمن. ويرى أنّ هذا الخيار أقل كلفة وأكثر قابلية للتنفيذ من إبقاء العائلات في المخيمات، حيث تبقى عرضة للسيول، والبرد، والحرائق، والأزمات المتكرّرة.
ويحذّر البيطار من أنّ استمرار الاعتماد على الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة، في ظل تغيّر المناخ وتكرار الكوارث الطبيعية، يعني إدارة أزمة بلا أفق، بدل الانتقال إلى حلول تُعيد الناس إلى بيئتهم الأصلية وتخفّف الضغط الإنساني والمالي على المدى المتوسط.
وبالنظر إلى ما سبق، فإنّ الواقع المأساوي للمتضرّرين يترنح ما بين تعهّدات بمئات الملايين لم تُنفّذ، وخلل إداري وبنيوي، وكوارث طبيعية تكشف هشاشة الواقع، وتتقاطع التحليلات عند حقيقة واحدة، وهي أنّ عودة النازحين لا يمكن أن تقوم على التبرعات وحدها، ولا على نقل المسؤولية إلى المجتمع المدني، بل تحتاج إلى دور حكومي واضح، وشفافية، ومساءلة، وتمويل حقيقي للبنية التحتية، إلى جانب حلول واقعية تضع كرامة الإنسان في صلب أي مسار تعافٍ أو إعادة إعمار.