في مدينة التل بريف دمشق، حيث تتزايد الضغوط المعيشية وتتراجع قدرة كثير من العائلات على تحمّل تكاليف العلاج في القطاع الخاص، يبرز المركز الطبي التابع لجمعية إنعاش الفقير الخيرية كأحد أهم المرافق الصحية التي تخفف العبء عن السكان، مستندًا إلى مسيرة امتدت منذ عام 2007 وحتى اليوم.
في مداخلة خاصة، استعرض الدكتور كمال عرنوس، المسؤول الطبي وعضو مجلس إدارة الجمعية، مراحل تطور المركز، موضحًا أنه انطلق في عام 2007 بإمكانات محدودة شملت عيادة الأشعة وعيادة الأمراض الداخلية وتغطية بعض العمليات الجراحية، قبل أن يشهد توسعًا تدريجيًا أتاح افتتاح عيادات اختصاصية لمعظم الاختصاصات الطبية، وإنشاء قسم للإسعافات الأولية، إلى جانب تزويده بأجهزة حديثة مثل الإيكو والتصوير الشعاعي والبانوراما وجهاز عينية متطور، فضلًا عن خدمات التصوير الشعاعي الخارجي.
ولم يقتصر التطوير على الجانب التشخيصي والعلاجي، إذ أُسس قسم للإعارة المؤقتة يوفّر مستلزمات طبية للمرضى، بينها الأسرة الطبية والعكازات وأجهزة الأوكسجين المنزلية. وخلال جائحة كورونا عام 2020، أُنشئ قسم لاستبدال أسطوانات الأوكسجين بسعر التكلفة، كما تم افتتاح مركز العلاج الفيزيائي بأجهزة حديثة.
ويضم المركز الطبي عيادة متنقلة تُستخدم في حالات الطوارئ والأزمات، ما يعزز قدرته على التدخل خارج مقره الثابت عند الحاجة.
وأضاف الدكتور كمال أن المركز يعتمد سياسة تسعير مخفّضة مقارنة بالعيادات الخاصة، إذ تُقدَّم خدماته بحسم يصل إلى 70% من التكلفة المعتمدة في القطاع الطبي الخاص، فيما تحصل الفئات الهشة، كالأرامل والأيتام المدرجين ضمن برامج الجمعية، على حسم يصل إلى 50% من قيمة الكشفية المخفضة، إضافة إلى دعم في الأدوية وتكاليف العمليات، مع توفير أدوية الأمراض المزمنة بشكل مستمر.
على مقاعد الانتظار في عيادة الأمراض الداخلية، تجلس حسناء علي، وهي سيدة مسنة اعتادت مراجعة المركز لإجراء فحوصها الدورية، كما تقصده أحيانًا لتلقي العلاج في عيادة الأسنان. تقول إن التكلفة المخفّضة كانت عاملًا حاسمًا في قدرتها على الاستمرار بالعلاج، مؤكدة أن الفارق في الأسعار بينها وبين العيادات الخاصة كبير ولا يمكن تحمّله في ظل الظروف المعيشية الراهنة.
ولا تبدو حكاية حسناء استثناءً، بل تعكس واقع مئات المرضى الذين يقصدون المركز يوميًا من مدينة التل ومحيطها. وتؤكد الأرقام الرسمية الصادرة عن إدارة المركز حجم الضغط المتزايد على خدماته، إذ قدم خلال كانون الثاني/يناير 2026 مساعدات لنحو 41 عملية جراحية، فيما بلغ عدد مراجعي العيادات بمختلف اختصاصاتها 1355 مريضًا. كما نفّذ قسم التصوير الشعاعي 1151 صورة أشعة، وأُجري 202 فحص إيكو، ما يشير إلى الدور التشخيصي المتقدم الذي بات يؤديه المركز بعد تحديث أجهزته.
وفي إطار دعم مرضى الأمراض المزمنة، تم خلال الشهر ذاته تقديم مساعدة لـ198 مريضًا مدرجًا ويحتاج إلى وصفة دوائية دائمة. كما استقبل قسم العلاج الفيزيائي 518 مراجعًا، مستفيدين من التجهيزات الحديثة التي أُضيفت إلى المركز.
بين شهادات المرضى وإحصاءات الإدارة، تتكرّس صورة المركز الطبي في التل بوصفه ملاذًا صحيًا لمئات العائلات، وركيزة أساسية في منظومة الرعاية الصحية المحلية، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الحاجة إلى العلاج والقدرة على تحمّل تكاليفه. وفي ظل التحديات الاقتصادية المستمرة، يبدو استمرار هذا الدور مرهونًا بتعزيز الدعم وضمان استدامة الخدمات، حتى يبقى باب الرعاية مفتوحًا أمام الأكثر حاجة.