رغم احتضانها سد الفرات، أحد أكبر مشاريع الطاقة الكهرومائية في سوريا، لا تزال مدينة الرقة تعاني من نقص حاد في الكهرباء، في ظل تضرر واسع للبنية التحتية وتراجع القدرة الإنتاجية بعد سنوات من النزاع وغياب أعمال الصيانة الشاملة.
وفي هذا السياق، يقول مدير شركة كهرباء الرقة، المهندس عبد المحسن الصالح، لموقع سوريا 24 إن الشبكات الأرضية المتضررة تمثل التحدي الأبرز أمام استقرار التغذية الكهربائية في المدينة، موضحًا أن الأضرار المتراكمة ما تزال تعيق جهود إعادة التأهيل.
وأضاف الصالح: إن “أكبر عقبة نواجهها هي الكابلات الأرضية المتهالكة والمدمرة، إذ تضرر قسم كبير منها بسبب الأنفاق والتفجيرات، ما أدى إلى فقدان العازلية وتسرب المياه إليها”.
وبحسب المسؤول المحلي، تعود نحو 40% من الأعطال الكهربائية إلى هذه الأضرار، في حين ما تزال 56 مركز تحويل من أصل نحو 200 خارج الخدمة، وهو ما يعادل قرابة ربع منظومة التحويل الكهربائي في المدينة، الأمر الذي يحد من قدرة الشبكة على توزيع الطاقة بشكل مستقر.
تغذية محدودة نتيجة تراجع الإنتاج
ونتيجة لذلك، لا تتجاوز ساعات التغذية الكهربائية في معظم أحياء الرقة أربع إلى خمس ساعات يوميًا، بينما لا تزال مناطق في القطاع الغربي محرومة من التيار الكهربائي منذ سنوات.
ويعزو مسؤولو قطاع الكهرباء هذا الواقع إلى انخفاض الوارد المائي، الذي انعكس مباشرة على إنتاج الطاقة الكهربائية، ما أدى إلى تراجع القدرة التشغيلية للمحطات.
وفي هذا الإطار، أوضح الصالح أن القدرة المتاحة حاليًا “لا تتجاوز نحو 10 ميغاواط”، وهي كمية لا تكفي لتلبية احتياجات المدينة المتزايدة، مشيرًا إلى أن توزيع الكهرباء يتم وفق أولويات خدمية.
وعليه، تمنح الأولوية في التغذية للمشافي ومضخات المياه والمطاحن، بهدف ضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للسكان.
الأمبيرات… بديل مكلف يثقل كاهل السكان
ومع استمرار ضعف التيار الحكومي، اتجه عدد كبير من الأهالي إلى الاعتماد على اشتراكات المولدات الخاصة، المعروفة محليًا بـ”الأمبيرات”، غير أن ارتفاع تكلفتها بات يشكل عبئًا اقتصاديًا إضافيًا على الأسر.
وفي هذا الصدد، يقول محمود الأحمد، من حي الدرعية: “سعر الأمبير تضاعف تقريبًا خلال الفترة الأخيرة، وأصبحنا ندفع ضعف ما كنا ندفعه سابقًا، بينما دخلنا لم يتغير”.
وأضاف أنه اضطر إلى تخفيض عدد الأمبيرات المشترك بها لتقليل النفقات الشهرية.
بدورها، تشير ريم النعسان، من حي البياطرة، إلى صعوبة التوفيق بين الدخل المحدود وارتفاع تكاليف الكهرباء البديلة، قائلة: إن “الكهرباء الحكومية قليلة، والاشتراك بالمولدات أصبح مكلفًا جدًا، فالراتب بالكاد يكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية”.
أما محمود الخلف، من حي التوسعية، فيرى خلال حديثه لموقع سوريا 24 أن تراجع القدرة الشرائية دفع بعض العائلات إلى تقليص ساعات تشغيل الكهرباء الخاصة أو الاستغناء عنها جزئيًا، ما زاد من صعوبة الظروف المعيشية.
خطط إصلاح مرتبطة بتأمين الدعم
في المقابل، تؤكد إدارة شركة الكهرباء أن خطتها الحالية تركز على إعادة تأهيل مراكز التحويل المتضررة واستبدال المقاطع الأكثر تضررًا من الشبكة، في محاولة لتحسين استقرار التغذية تدريجيًا.
إلا أن الصالح يوضح أن تنفيذ هذه الخطط يبقى مرهونًا بتأمين المحولات والمواد الفنية اللازمة، مضيفًا: “في حال توفر المواد والدعم، نأمل أن تتحسن التغذية خلال ثلاثة أشهر تدريجيًا، وأن يصل التيار إلى جميع الأحياء ولو لساعات محدودة”.
مفارقة الطاقة والظلام
وبين محدودية الإنتاج، وتهالك البنية التحتية، وارتفاع تكلفة البدائل الخاصة، تستمر أزمة الكهرباء في الرقة، لتجسد مفارقة لافتة: مدينة تحتضن أحد أهم مصادر الطاقة في البلاد، لكنها ما تزال تعيش على إيقاع انقطاعات طويلة للتيار، في انتظار استقرار كهربائي يعيد الحد الأدنى من الحياة الطبيعية إلى سكانها.



