بعد مرور أكثر من شهر على سيطرة الجيش السوري على بلدة تل حميس وريفها في محافظة الحسكة، يؤكد الأهالي أن واقعهم المعيشي لم يشهد التحسن الذي كانوا يأملونه، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا في ظل أزمات متشابكة تمس أبسط مقومات الحياة اليومية. وبين أزمة الخبز، والانقطاع شبه التام للكهرباء، وضعف الاتصالات، وتراجع الخدمات الصحية، تتصاعد شكاوى الأهالي وسط غياب حلول ملموسة على الأرض.
ملف الخبز يتصدر المشهد بوصفه العنوان الأبرز لمعاناة الأهالي. فبحسب إفادات متطابقة لسوريا 24، حُدد السعر الرسمي لربطة الخبز المؤلفة من عشرة أرغفة بـ4 آلاف ليرة سورية، إلا أن هذا السعر لا يطبق فعليًا، حيث تباع الربطة في السوق السوداء بأسعار تصل إلى 10 آلاف ليرة سورية. ويؤكد الأهالي أن هذا الارتفاع الكبير في الأسعار يتزامن مع انقطاع الرواتب وتراجع مصادر الدخل، ما يجعل تأمين الخبز عبئًا يوميًا ثقيلًا على معظم العائلات.
أبو سليمان، أحد أهالي البلدة، قال في تصريح لسوريا 24 إن الأهالي يتوجهون منذ ساعات الصباح الأولى إلى المعتمدين أو الأفران، إلا أن كثيرين يعودون دون الحصول على مخصصاتهم. وأضاف أن بعض الأهالي يطلب منهم مراجعة “الكومين” قبل استلام الخبز، رغم أن البلدة خاضعة حاليًا لسيطرة الجيش السوري. وأوضح أن استمرار العمل بهذه الآلية الإدارية يثير تساؤلات واسعة بين الأهالي الذين كانوا يتوقعون إدارة موحدة وآلية توزيع واضحة تضمن العدالة والمساواة، معتبرين أن بقاء الكومينات التي أنشأتها الإدارة الذاتية السابقة يعيق عودة المؤسسات الحكومية إلى أداء مهامها بشكل كامل، ويخلق شعورًا بعدم الاستقرار وغياب الرقابة على الخدمات الأساسية.
من جهته، صرح الناشط أسامة الخلف لسوريا 24 أن شكاوى الأهالي تتكرر بشكل يومي، سواء بسبب نقص الكميات أو سوء التنظيم أو ارتفاع الأسعار في السوق السوداء. وأوضح أن مشاهد الطوابير الطويلة باتت مألوفة أمام الأفران، وأن عددًا كبيرًا من الأهالي لا يحصلون على مخصصاتهم كاملة. وأضاف أن غياب الرقابة الفعلية على عمليات التوزيع يسهم في تفاقم الأزمة، في وقت لم تسجل فيه أي إجراءات حاسمة لضبط الأسعار أو محاسبة المتلاعبين.
ولا تقل أزمة الكهرباء حدة عن أزمة الخبز. الأهالي يؤكدون أن التيار الكهربائي شبه منعدم في البلدة، ما يؤثر بشكل مباشر على مختلف جوانب الحياة. المحال التجارية تكبدت خسائر نتيجة تلف المواد الغذائية، فيما تعاني العائلات من صعوبة تشغيل الأجهزة الأساسية أو استخدام وسائل التدفئة في ظل الظروف المناخية القاسية. ويشير الأهالي إلى أن الاعتماد على المولدات الخاصة مكلف للغاية، ولا تستطيع غالبية الأسر تحمله بشكل دائم.
في موازاة ذلك، يواجه الأهالي ضعفًا حادًا في خدمات الاتصالات. فالشبكة السورية الرسمية، سواء “سيريتل” أو “MTN”، لم تصل بعد إلى المنطقة، ما يضعف قدرة الأهالي على التواصل مع الخارج أو متابعة شؤونهم اليومية. ويعتمد الأهالي حاليًا على شبكة “آرسيل” التابعة للإدارة الذاتية السابقة، إلا أنها توصف بأنها ضعيفة وتنقطع في معظم الأوقات، الأمر الذي يزيد من عزلة البلدة ويعقد حياة الأهالي، خاصة في الحالات الطارئة أو عند الحاجة إلى تواصل سريع.
الأزمة الصحية بدورها تمثل تحديًا كبيرًا. الأهالي يشيرون إلى نقص واضح في النقاط الطبية والمشافي، إضافة إلى محدودية الأدوية والمستلزمات الأساسية. ووفق شهادات لسوريا 24، يضطر بعض المرضى إلى التوجه إلى محافظات أخرى مثل دير الزور أو الرقة لتلقي العلاج، وهو ما يشكل عبئًا ماليًا ومخاطرة صحية، خصوصًا للحالات الإسعافية. ويؤكد الأهالي أن غياب خدمات طبية متكاملة داخل البلدة يفاقم معاناتهم، خاصة مع ارتفاع تكاليف النقل والعلاج.
كما يعاني النازحون في تل حميس وريفها من ظروف معيشية أكثر هشاشة، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغياب الدعم الكافي من الجهات الإغاثية. الأهالي يؤكدون أن كثيرًا من العائلات كانت تعتمد على رواتب أو مساعدات لم تعد تصل كما في السابق، ما انعكس مباشرة على قدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية من غذاء ودواء وخدمات.
في ضوء هذه الأزمات المتراكمة، يرى الأهالي أن سيطرة الجيش السوري لم تترافق حتى الآن مع تحسن خدمي فعلي يخفف من أعبائهم اليومية. ويطالبون بإجراءات عاجلة تشمل ضبط أسعار الخبز وإنهاء السوق السوداء، إعادة تفعيل الكهرباء بشكل منتظم، إدخال شبكات الاتصالات السورية إلى المنطقة، وتعزيز القطاع الصحي بنقاط طبية فعالة وكوادر كافية. وبين الوعود الرسمية وانتظار التنفيذ، تبقى تل حميس وريفها في مواجهة واقع خدمي متدهور، يثقل كاهل الأهالي ويعمق شعورهم بالحاجة إلى تدخل سريع يعيد الحد الأدنى من الاستقرار إلى حياتهم اليومية.


