بعد أيام من إغلاق المخيم.. تتكشف أسرار الحياة والموت في الهول

حجم الخط

داخل مخيم الهول، يفصل السور الكبير بين الحياة والموت. هناك، حيث يقف الزوار على مسافة بعيدة عن الأسرار المدفونة، عاش محمود إبراهيم محمد تجربة صعبة، لم تمح من ذاكرته، وهو يعمل في حفر وتجهيز القبور للمتوفين داخل المخيم. تحدث محمد لسوريا 24 عن تفاصيل صادمة وصور يومية لم تر إلا في كواليس المخيم: “كنا نتلقى أوامر من إدارة المخيم بحفر قبور جاهزة. الجثث التي تصلنا كانت متنوعة: أطفال ونساء وشبان وكبار سن. بعضهم مات طبيعيا، لكن الأغلبية كانت مقتولة. بعض الجثث كانت مقطوعة الرأس. لم نكن نعرف من قتلهم. قسد تقول إن المتشددين داخل المخيم هم المسؤولون، بينما أهالي المخيم يقولون إن القتلى على يد قسد نفسها ويرتدون ملابس داعش. لم نستطع التحقق من الحقيقة.”

يصف محمد كيف أن الدفن يتم بطريقة تكاد تفتقد لأي طقوس إنسانية، حيث لا يكفن المتوفى، ولا توضع أي طبقة فاصلة قبل أن يهال التراب مباشرة على الجثمان. وعندما حاول العمال الاعتراض على الطريقة، أخبروا بأنها “تعليمات من القيادات”. يرافق كل دفن دورية تابعة لقسد، ويسمح فقط لشخص أو شخصين من أقارب المتوفى بحضور مراسم الدفن، ثم يعادون مباشرة إلى المخيم، ولا يسمح بزيارة القبر لاحقا.

القبور نفسها تحمل رموزا وأرقاما بدلا من الأسماء الحقيقية، حتى لأولئك الذين يملكون هويات شخصية أو جوازات سفر تثبت بياناتهم. ويضيف محمد: “المقابر كانت معزولة داخل سور عن بقية بلدة الهول، في ساحة خاصة يمنع الاقتراب منها. وفق اطلاعي، هناك نحو ألفي شخص مدفونون بهذه الطريقة، مجهولو الهوية من جنسيات سورية وعراقية وباكستانية وغيرها. بعض الأيام كنا ندفن حالتين أو ثلاثا في وقت واحد، لذا كان علينا تجهيز قبور جماعية لتسريع العملية.”

تكشف شهادته حجم ما يخفيه السور: جثث مجهولة، دفن جماعي، وأسماء مخفية خلف رموز وأرقام، كل ذلك ليبقى الموتى خارج أي إحصاء أو توثيق رسمي. كما يظهر من روايته أن عمليات الدفن اليومية كانت سريعة ومضغوطة، وأن العمال كانوا يواجهون ضغطا نفسيا شديدا وهم يشاهدون أطفالا ونساء وشيوخا يدفنون بلا هوية، في مشهد يشبه سردا كابوسيا لموتى لا يعرف أحد سبب وفاتهم بدقة.

المخيم من البداية حتى الإغلاق

مخيم الهول أنشئ عام 1991 لاستقبال لاجئين عراقيين بعد حرب الخليج الثانية، وأعيد افتتاحه عام 2003 مع موجة نزوح جديدة من العراق. وفي عام 2016، بعد توسع نشاط تنظيم داعش في شمال شرق سوريا، تحول المخيم إلى ملاذ لآلاف النازحين من مناطق التنظيم، بينهم نساء وأطفال وعائلات مرتبطة بالتنظيم.

خلال السنوات التي تلت ذلك، أصبح المخيم أكبر مركز احتجاز داخلي في المنطقة، واستقبل عشرات الآلاف من السوريين ومن جنسيات مختلفة. ومع زيادة الأعداد، ظهرت تحديات ضخمة على صعيد الخدمات الإنسانية، والصحة والتعليم، بالإضافة إلى إدارة الأمن داخل المخيم.

في يوم الأحد، 22 شباط 2026، أعلنت الحكومة السورية إغلاق المخيم بعد نقل كامل العوائل السورية وغير السورية إلى مواقع أخرى، مؤكدة أن المخيم لم يعد يستخدم كمركز احتجاز، وأنه أصبح فارغا من السكان. وأوضح مسؤولون أن الحكومة وضعت خططا لتنمية المناطق التي انتقلت إليها العوائل، وبرامج لإعادة دمجهم اجتماعيا وتعليميا، مع دعم نفسي للمتضررين من سنوات الاحتجاز والصدمات التي عاشوها.

الموت المجهول والدفن الجماعي

ما يميز شهادة محمود إبراهيم محمد هو تصويره الموت كما يدفن في صمت المخيم، بعيدا عن الأعين، حيث لا أسماء ولا هوية، فقط أرقام ورموز على قبور عزلت في ساحة خاصة. ويشير إلى أن بعض الأيام كان يتعامل مع حالتين أو ثلاث وفيات في آن واحد، ما اضطرهم إلى تحضير قبور جماعية لتسريع الدفن.

يشير محمد إلى أن غالبية المتوفين كانوا من الأطفال والنساء والشيوخ، وأن ظروف الوفاة لم تكن واضحة، ففي كثير من الحالات يدفن الضحية بلا معرفة من قتلها، مع إخفاء هويتها تماما. كل ذلك يعكس الجانب الإنساني المظلم للمخيم، ويظهر حجم التحديات التي واجهها من عمل يومي تحت ضغط نفسي شديد، وهو ما لم توثقه أي إحصاءات رسمية بشكل كامل.

ما بعد الإغلاق: خطة إعادة دمج العوائل

بعد نقل جميع السكان وإغلاق المخيم، بدأت الحكومة السورية تنفيذ خطط تنموية وإعادة دمج العوائل في مناطقهم الجديدة، مع التركيز على التعليم والدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين من سنوات الاحتجاز. إلا أن جدران السور والساحة المخصصة للقبور لا تزال صامتة، شاهدة على سنوات من الرعب والصمت، وعلى آلاف الجثث المجهولة التي لم يعرف أحد هوياتها، والتي تركت أثرا دائما على من عاشوا داخل المخيم.