تشهد مناطق متفرقة من الجزيرة السورية تصاعدا ملحوظا في هجمات يتبناها تنظيم “داعش”، في تطور أمني يعيد إلى الواجهة هواجس عودة النشاط المنظم للتنظيم، في ظل تحولات ميدانية وسياسية متسارعة، واختبار فعلي لقدرة الدولة السورية وشركائها على ضبط المشهد الأمني في مرحلة حساسة.
ضربات في الرقة ودير الزور
وأعلن وزير الداخلية السوري أنس خطاب، الثلاثاء، استمرار مداهمة أوكار التنظيم وملاحقة فلوله، مؤكدا أن الأجهزة الأمنية “لن تتوقف عن التصدي لأي تهديد يستهدف أمن الوطن”.
وجاءت تصريحاته عقب إعلان تفكيك خلية تابعة لـ“داعش” في محافظة الرقة، متورطة في استهداف حاجز أمني غرب المدينة.
وكان أربعة عناصر من قوى الأمن الداخلي قد قتلوا، الاثنين، وأصيب اثنان آخران في هجوم استهدف الحاجز ذاته، فيما تمكنت القوات من تحييد أحد أفراد الخلية المهاجمة، مع استمرار عمليات التمشيط لتعقب بقية العناصر.
ويعد هذا الهجوم الثاني خلال أقل من 24 ساعة، بعدما تعرض الحاجز نفسه لاعتداء مماثل يوم الأحد.
كما تبنى التنظيم هجمات أخرى في دير الزور والرقة، عبر وكالة “دابق” التابعة له، متعهدا بالدخول في “مرحلة جديدة من العمليات” ضد الدولة السورية، في مؤشر على محاولة رفع سقف التحدي الأمني.
انكشاف جغرافي وسيولة أمنية
ويرى عمار فرهود، باحث في الشأن العسكري وجماعات ما دون الدولة، في حديث لمنصة سوريا 24، أن التصعيد الأخير لا يمكن فصله عن جملة تحولات جغرافية وأمنية شهدتها مناطق شرقي البلاد.
ويوضح أن “أحد أبرز الأسباب يتمثل في انكشاف جغرافية جديدة أمام التنظيم للتحرك بحرية، خاصة في مناطق الجزيرة السورية، بعد ربطها جغرافيا بالبادية، ما أتاح إمكانية الانتقال السلس بين المساحتين”.
ويشير فرهود إلى أن هذا الربط الجغرافي سهل تواصل الخلايا مع بعضها البعض بعد سنوات من العمل المنفصل أو المحدود، ما أعاد للتنظيم قدرة التنسيق الميداني، ولو على نطاق ضيق.
ويضيف أن التنظيم يمتلك معرفة دقيقة بطبيعة الأرض في تلك المناطق، بحكم نشاطه السابق فيها، سواء ضد القوات المحلية أو ضمن صراعات النفوذ التي شهدتها المنطقة.
ويؤكد أن ما يسميه “السيولة الأمنية” في بعض الجيوب، نتيجة انحسار قوى كانت تمسك بالأرض سابقا، أوجد فراغات تكتيكية استغلها التنظيم لإعادة التموضع.
ويقول إن التنظيم “عمل سابقا تحت ضغط أمني كبير، لكنه اليوم يتحرك في بيئة أقل إحكاما، ما يمنحه هامش مبادرة أوسع”.
أثر الانسحاب الأمريكي
ويتوقف فرهود عند مسألة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، أو الحديث المتزايد عن انسحاب محتمل، معتبرا أن “الانسحاب الفيزيائي للقوات الأمريكية من قواعدها غير حسابات التنظيم”.
ويوضح أن وجود القوات الأمريكية سابقا كان يشكل عامل ردع مباشر، إذ كان أي تحرك واسع قد يستدعي استجابة سريعة وقوية.
أما اليوم، فيرى أن خلايا التنظيم قد تعتقد أن احتمالية الاصطدام المباشر مع القوات الأمريكية باتت أقل، ما يشجعها على تنفيذ عمليات محسوبة تهدف إلى إثبات الحضور دون الانخراط في مواجهة مفتوحة. ويضيف أن غياب الدعم الفوري من التحالف الدولي على الأرض قد يضع عبئا إضافيا على القوات السورية في حال توسعت رقعة الهجمات.
وتجدر الإشارة إلى أن سوريا انضمت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي إلى التحالف الدولي ضد “داعش”، الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة عام 2014، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الدعم الذي سيقدمه التحالف في المرحلة المقبلة.
اختبار مزدوج: أمني ومجتمعي
بحسب فرهود، فإن تداعيات التصعيد تتجاوز البعد الأمني المباشر. فهو يرى أن زيادة العمليات ستؤدي إلى ضغط كبير على المؤسسة الأمنية السورية، في جغرافيات واسعة يصعب تغطيتها بالكامل، ما قد ينعكس في شكل إجراءات مشددة وإعادة انتشار للقوات.
كما يعتبر أن المرحلة الحالية تمثل اختبارا مزدوجا: الأول يتعلق بمدى قدرة الدولة على احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى موجة ممتدة، والثاني يرتبط بدور التحالف الدولي في دعم الحكومة السورية بصفتها عضوا رسميا فيه.
ويضيف أن التنظيم يسعى أيضا إلى اختبار سرديته داخل المجتمع السوري، ومحاولة معرفة ما إذا كان قادرا على إيجاد أرضية اجتماعية، أم أن نشاطه سيبقى ضمن دائرة ضيقة وخلايا نخبوية معزولة.
ويرى أن التنظيم يعول على “الأثر النفسي” للعمليات أكثر من نتائجها العسكرية، إذ إن نشر الرهبة ورفع معنويات أنصاره قد يكون هدفا بحد ذاته.
رسائل سياسية وأبعاد إقليمية
من جانبه، يربط المحلل السياسي عبد الرحيم خليفة، في حديث لمنصة سوريا 24، بين تصاعد النشاط الميداني للتنظيم وتطورات سياسية، من بينها ما يتداول عن انسحاب أمريكي محتمل، وإعادة ترتيب أوضاع مخيمات تضم عائلات مرتبطة بالتنظيم.
ويعتبر خليفة أن “داعش” يسعى إلى إثبات وجوده كفاعل في المشهد، موجها رسائل إلى أطراف إقليمية ودولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إضافة إلى الدولة السورية.
لكنه يستبعد أن يتمكن التنظيم من إعادة بناء بيئة حاضنة تضمن له الاستمرار، في ظل الضربات التي تلقاها خلال السنوات الماضية، وتراجع قدرته التنظيمية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
تتراوح التقديرات بين احتمال بقاء الهجمات ضمن مستوى “العمليات المحدودة” ذات الطابع الرمزي، وبين خطر توسعها إذا ما نجح التنظيم في استغلال أي ثغرات أمنية أو سياسية.
ويجمع المحللون على أن الحسم في هذا المسار مرتبط بعوامل عدة، أبرزها سرعة الاستجابة الأمنية، ومستوى التنسيق الاستخباراتي، وطبيعة الدعم الذي سيقدمه التحالف الدولي، إضافة إلى قدرة الدولة على تجفيف أي بيئات قد يحاول التنظيم التسلل إليها.
في المحصلة، يبدو أن “داعش” يحاول استثمار لحظة تحول في المشهد السوري لإعادة فرض اسمه في المعادلة الأمنية، إلا أن قدرته على تحويل هذا التصعيد إلى عودة واسعة النطاق تبقى مرهونة بمدى تماسك الجبهة الداخلية، وفعالية الإجراءات المتخذة لاحتواء التهديد قبل أن يتجذر من جديد.