تشهد أسواق مدينة حمص خلال الفترة الأخيرة انتشارا واسعا للبسطات في الشوارع والأرصفة، في ظاهرة باتت تثير شكاوى متزايدة من أصحاب المحال التجارية والأهالي، وسط مطالبات بضرورة تنظيمها بعد أن تحولت إلى مشهد يومي في معظم الأسواق الشعبية ومناطق الحركة التجارية داخل المدينة.
وتعكس هذه الظاهرة، حسب بعض الأهالي، جانبا من الضغوط الاقتصادية التي يعيشها السكان، حيث باتت البسطات خيارا سريعا للعديد من الباحثين عن مصدر دخل في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل.
أسباب اقتصادية وراء انتشار البسطات
ولم يأت انتشار البسطات بشكل عشوائي في المدينة من فراغ، بل هو نتيجة تراكم مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت كثيرين إلى هذا النوع من التجارة.
ومن أبرز هذه العوامل الارتفاع الكبير في إيجارات المحال التجارية، إضافة إلى شروط الإيجار التي يصفها كثير من التجار بأنها غير عادلة، مثل مطالبة المستأجر بدفع إيجار سنة كاملة مقدما، وهو ما يجعل فتح محل تجاري أمرا بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير من أصحاب الدخل المحدود.
كما ساهم غياب الأسواق البديلة المنظمة في دفع الباعة إلى الأرصفة والشوارع، في وقت بات فيه السوق خاضعا إلى حد كبير لمبدأ العرض والطلب، ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار العقارات التجارية وإيجارات المحال.
كما أن تدني الأجور في القطاعات العامة والخاصة، وارتفاع تكاليف التشغيل مثل فواتير الكهرباء، دفع العديد من العمال وأصحاب المهن إلى البحث عن مصادر دخل أخرى، ليجد بعضهم في البسطات مشروعا بسيطا لا يحتاج إلى رأس مال كبير.
ويحذر بعض المهتمين من أن استمرار هذا الواقع قد يدفع مزيدا من أصحاب المهن إلى ترك أعمالهم والاتجاه إلى العمل عبر البسطات، إذا ما اقتنعوا بأن هذا الخيار أكثر جدوى من الاستمرار في مهن تقليدية مثل الدهان أو أعمال الكهرباء أو المهن الحرفية الأخرى.
فوضى في الشوارع والأسواق
في هذا السياق، قال الناشط في المجال الخدمي والإغاثي إبراهيم العزو، في حديث لمنصة سوريا 24، إن المشكلة الحقيقية في حمص اليوم تتمثل في الفوضى الناتجة عن انتشار البسطات في الشوارع، والتي تحولت إلى عبء يومي على الأهالي وأصحاب المحال التجارية معا.
وأوضح العزو أن الأمر لم يعد يقتصر على بيع بضائع بسيطة على الأرصفة، بل أصبح ظاهرة تؤثر بشكل مباشر على حركة المرور وحياة السكان اليومية، مشيرا إلى أن انتشار البسطات العشوائي أدى إلى تضييق الطرقات وإرباك الحركة داخل الأسواق.
وأضاف أن العديد من أصحاب المتاجر النظامية يشعرون بالضرر نتيجة هذا الواقع، إذ إنهم يدفعون الرسوم والضرائب ويلتزمون بالقوانين، بينما يعمل أصحاب البسطات خارج أي إطار تنظيمي أو قانوني، ما يخلق حالة من عدم التوازن داخل السوق.
وبيّن أن المشكلة الأساسية ليست في وجود البسطات بحد ذاتها، بل في غياب التنظيم والرقابة، وهو ما سمح بتحولها إلى ظاهرة فوضوية يصعب السيطرة عليها، حيث باتت الأرصفة المخصصة للمشاة مشغولة بالكامل بالبسطات، ما يجبر الناس على السير في الطرقات بين السيارات.
شكاوى من التجار وتفهم لظروف الباعة
داخل الأسواق الشعبية، يعبر عدد من أصحاب المحال عن تضررهم من انتشار البسطات أمام متاجرهم، لكنهم في الوقت ذاته يبدون تفهما للظروف الاقتصادية التي دفعت كثيرين للعمل بهذه الطريقة.
ويقول أحد أصحاب المحال داخل السوق إن معظم التجار تضرروا من هذه الظاهرة، إلا أن الجميع يدرك أن أصحاب البسطات يسعون أيضا لتأمين لقمة العيش. ويضيف أن المطلوب ليس التضييق عليهم أو منعهم من العمل، بل إيجاد حل يرضي جميع الأطراف.
ويشير إلى أن صاحب البسطة قد يكون قريبا أو صديقا أو رب أسرة يعيل عائلته، ولذلك فإن التنظيم هو الحل الأنسب بدلا من الصدام أو الإزالة العشوائية.
أزمة معيشية تزيد تعقيد المشكلة
ويؤكد عدد من الأهالي أن تفاقم الظاهرة مرتبط أيضا بالأوضاع الاقتصادية العامة، حيث إن ارتفاع إيجارات المحال وعدم وجود رقابة واضحة عليها، إلى جانب ضعف الرواتب في العديد من المهن، يدفع بعض العاملين إلى ترك وظائفهم والبحث عن مصادر دخل بديلة.
ويشير بعضهم إلى أن الحلول المؤقتة، مثل إنشاء براكيات أو أسواق بديلة غير مدروسة، قد لا تكون كافية، إذ قد تستمر أعداد البسطات بالازدياد إذا لم تتم معالجة الأسباب الاقتصادية التي تقف وراء انتشارها.
كما يرى آخرون أن الوضع في المدينة أصبح معقدا إلى درجة يصعب معها إزالة البسطات بشكل كامل، نظرا لارتباطها بمعيشة عدد كبير من العائلات.
دعوات لتنظيم الظاهرة
في المقابل، يؤكد كثير من الأهالي أن لأصحاب المحال التجارية الحق في المطالبة بعدم انتشار البسطات أمام متاجرهم، خصوصاً أنهم يتحملون أعباء مالية كبيرة تشمل الإيجار وفواتير الكهرباء ورواتب العمال.
ويضيف بعض السكان أن المشكلات الخدمية في المدينة، مثل الاختناقات المرورية وضعف التنظيم في بعض الشوارع، تزيد من تعقيد المشهد، خاصة في المناطق التي تشهد حركة تجارية كثيفة.
من جهته، يرى العزو أن الحل يكمن في وضع آلية تنظيمية واضحة للبسطات، عبر تخصيص أماكن محددة لها وتنظيم عملها ضمن إطار قانوني يضمن حق أصحابها في العمل، وفي الوقت نفسه يحافظ على النظام العام ويضمن حقوق بقية التجار والمواطنين.
ويؤكد عدد من سكان المدينة أيضاً، حسب العزو، أن معالجة الظاهرة تتطلب رؤية شاملة تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الكثيرين إلى العمل في هذا القطاع غير المنظم، في مدينة يصفها كثير من سكانها بأنها تعيش واحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية والخدمية.