تشهد أسواق الألبسة في مدينة الرقة، مع اقتراب عيد الفطر، ارتفاعا كبيرا في الأسعار، حيث تصل تكلفة اللباس الجديد للأطفال إلى ما بين 150 ألف و400 ألف ليرة سورية، في وقت لا يتجاوز فيه متوسط راتب الموظف الشهري مليونا إلى مليون وثلاثمئة ألف ليرة.
هذا الواقع يضع كثيرا من العائلات أمام صعوبة تأمين كسوة العيد لأطفالها، في ظل فجوة واضحة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
في أسواق المدينة، يعكس المشهد هذا التفاوت بشكل يومي. محال الألبسة الجديدة تعرض بضائعها بأسعار تفوق قدرة شريحة واسعة من السكان، بينما تشهد أسواق “البالة” حركة متزايدة، مع إقبال العائلات الباحثة عن خيارات أقل كلفة.
داخل هذه الأسواق، تتنقل العائلات بين أكوام الملابس، تفحص القطع بعناية، وتحاول إيجاد توازن بين السعر والجودة. لم تعد حداثة اللباس هي المعيار الأساسي، بل القدرة على تأمين ما يمكن شراؤه ضمن الإمكانيات المتاحة.
يقول عيد المحمد، وهو أب لثلاثة أطفال من أبناء الرقة، إن راتبه الشهري لا يتجاوز مليونا وثلاثمئة ألف ليرة سورية، ما يجعل شراء ملابس جديدة لجميع أطفاله أمرا صعبا.
ويضيف أنه يعتمد في السنوات الأخيرة على أسواق “البالة”، حيث يمكنه شراء عدة قطع بسعر قطعة واحدة جديدة، مؤكدا أن هدفه الأساسي هو إدخال الفرح إلى قلوب أطفاله.
من جهته، يشير مصطفى العباس إلى تدهور الأوضاع المعيشية، خاصة مع انقطاع الرواتب منذ شهرين، موضحا أن أسعار الألبسة الجديدة بلغت مستويات غير مسبوقة.
ويقول إنه لم يعد أمامه سوى اللجوء إلى “البالة” لتأمين ملابس العيد لأطفاله، مؤكدا أن هذا الخيار أصبح واقعا عاما وليس حالة فردية.
أما أم عيسى، فتعبر عن حزنها لعدم قدرتها على شراء ملابس جديدة لأطفالها، قائلة إن الكسوة الجديدة أصبحت “حلما” بالنسبة لهم.
وتضيف أنهم سيستقبلون العيد هذا العام بملابس مستعملة، رغم رغبتها في إسعاد أطفالها كما في السابق، إلا أن الظروف المعيشية لم تترك لهم خيارا آخر.
هذا التحول في سلوك الشراء لا يأتي بمعزل عن السياق الاقتصادي الأوسع، فبحسب تحليلات خبراء اقتصاديين في تقارير منشورة عام 2026، فإن موجة الغلاء في سوريا لم تعد موسمية، بل تعكس تضخما هيكليا مرتبطا بسعر الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، إلى جانب تراجع الإنتاج المحلي.
وفي السياق ذاته، يشير صناعيون في قطاع الألبسة إلى أن ارتفاع الأسعار يرتبط بالاعتماد الكبير على استيراد الأقمشة، حيث لا يغطي الإنتاج المحلي سوى نسبة محدودة من الحاجة، ما يجعل السوق أكثر تأثرا بتقلبات الأسعار الخارجية. كما تؤدي الرسوم المفروضة على المواد الأولية إلى زيادة كلفة التصنيع، وهو ما ينعكس مباشرة على السعر النهائي للمنتج.
وتتقاطع هذه المعطيات مع ما تشير إليه تقارير دولية صادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي خلال عام 2026، والتي توضح استمرار تراجع القدرة الشرائية للأسر السورية، واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
وبين هذه العوامل مجتمعة، تتحول أسواق “البالة” من خيار مؤقت إلى نمط استهلاك متزايد، حيث لم يعد العيد مناسبة للإنفاق بقدر ما أصبح اختبارا لقدرة العائلات على التكيف مع واقع اقتصادي ضاغط.