تحل اليوم الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، لا بوصفها حدثا سياسيا فحسب، بل كحكاية إنسانية كتبت بالألم والأمل معا. كانت سنواتها مليئة بالفقد والتشرد والملاحقة الأمنية، لكنها كانت أيضا لحظة كسر للصمت واستعادة لمعنى الكرامة.
في تلك الأيام، كان السوريون يتابعون ما يجري في تونس ومصر وليبيا، ويراقبون تهاوي أنظمة الاستبداد. ومن هذا المناخ، كتب أطفال درعا على جدار مدرستهم العبارة الشهيرة: “إجاك الدور يا دكتور”، من دون أن يدركوا أنهم يخطون بداية واحدة من أكثر المحطات تأثيرا في تاريخ سوريا الحديث.
ما بدا فعلا عابرا تحول سريعا إلى حدث مفصلي، بعد اعتقال الأطفال من قبل الأجهزة الأمنية، في واقعة ارتبط اسمها لاحقا بالمسؤول الأمني عاطف نجيب وما رافقها من اتهامات بسوء المعاملة والإهانة. وفي 18 مارس/آذار 2011 خرجت أول مظاهرة من مسجد الحمزة والعباس في درعا البلد مطالبة بالإفراج عنهم، لتتحول خلال أسابيع إلى بداية حراك شعبي امتد إلى معظم الجغرافيا السورية.
يروي ربيع أحمد المسالمة، الذي فقد شقيقين خلال سنوات الثورة، أن شقيقه علي كان أول من أطلق صيحة التكبير داخل المسجد، مضيفا: “خرجنا وكسرنا حاجز الخوف… ولم نكن نعلم إلى أين ستصل الأمور، لكننا لسنا نادمين”. كما يستذكر علاء الجوابرة مقتل شقيقه محمود، أحد أوائل الضحايا، قرب دوار الكرك، قائلا: “خرج مطالبا بالكرامة فقط… فسقط برصاص حي”.
بين ربيع 2011 ونهايته، شهدت سوريا مرحلة اتسمت بالحراك السلمي الواسع، حيث برزت التنسيقيات المحلية بوصفها شبكات شبابية نظمت المظاهرات ونقلت الأخبار ووثقت الانتهاكات، إلى جانب أشكال مبتكرة من العمل المدني مثل الصحافة المواطنية، والإضرابات، والأنشطة الفنية والثقافية. ورفعت الاحتجاجات مطالب واضحة، من بينها إنهاء حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين، ومكافحة الفساد، وبناء نظام أكثر عدالة وتمثيلا.
لكن هذا المسار السلمي واجه قمعا أمنيا متصاعدا، شمل الاعتقالات الواسعة واستخدام القوة المفرطة واستهداف النشطاء والإعلاميين، وهو ما وثقته منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، واعتبرته من العوامل الرئيسية في تحول مسار الأحداث لاحقا.
ومع النصف الثاني من عام 2011 بدأت ملامح العسكرة بالظهور تدريجيا، مع تسجيل أولى الانشقاقات داخل الجيش السوري، ثم إعلان العقيد رياض الأسعد في 29 يوليو/تموز 2011 تأسيس الجيش السوري الحر. وفي السنوات اللاحقة برزت تشكيلات عسكرية متعددة في درعا وحمص والشمال السوري، من بينها كتيبة الفاروق ولواء التوحيد، لكن المشهد ظل يتسم بالتعدد وغياب القيادة المركزية الموحدة.
ومع دخول عام 2013 تعقد المشهد أكثر، مع توسع خريطة الفصائل وظهور تنظيم داعش، ثم بدء التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضرباته في سوريا عام 2014، تلاه التدخل العسكري الروسي المباشر في 2015، ما غير موازين القوى وكرس التدويل الواسع للصراع.
بالتوازي، شهدت البلاد محاولات سياسية متعددة، من جنيف إلى أستانة، لكن هذه المسارات بقيت عاجزة عن تحقيق حل شامل، في ظل استمرار القصف والحصار والتهجير القسري في مناطق عدة، مثل حمص القديمة وداريا وحلب الشرقية والغوطة الشرقية. كما بقي قرار مجلس الأمن 2254 إطارا نظريا أكثر من كونه مسارا منفذا على الأرض.
وخلال هذه السنوات، وثقت منظمات حقوقية سورية ودولية أنماطا واسعة من الانتهاكات، شملت القتل خارج القانون والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، إضافة إلى القصف الذي طال المناطق السكنية. وعلى الصعيد الإنساني، تجاوز عدد النازحين داخليا 6.8 مليون شخص، فيما بلغ عدد اللاجئين خارج سوريا أكثر من 5.5 مليون، مع استمرار حاجة أكثر من 16 مليون شخص إلى المساعدات داخل البلاد.
اقتصاديا، شهدت سوريا تراجعا حادا منذ عام 2011، مع انهيار قيمة الليرة السورية، وتراجع القطاعات الإنتاجية، واتساع الفقر، حتى بات أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وسط اعتماد واسع على المساعدات الإنسانية.
وفي السنوات التي سبقت سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدت الساحة السورية وكأنها تعيش حالة من الجمود النسبي على خطوط التماس، إلى أن تغيرت المعادلة مع انطلاق عملية عسكرية لفصائل المعارضة عرفت باسم “ردع العدوان”، وانتهت بالوصول إلى دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وإعلان سقوط النظام.
وفي ختام هذا المسار الطويل، لا يمكن النظر إلى الثورة السورية بوصفها مجرد تسلسل أحداث سياسية أو عسكرية، بل كقصة إنسانية عميقة ما تزال فصولها تكتب. قصة شعب واجه الخوف، ودفع أثمانا باهظة من دم أبنائه وتشرد عائلاته، لكنه تمسك بفكرة العدالة بوصفها أفقا لا يمكن التخلي عنه. لقد رأى كثير من السوريين في الثورة السورية مبدأ لا حياد عنه، وأن مواجهة الاستبداد ليست خيارا مؤقتا، بل مسارا طويلا من النضال، وأن الدولة التي تقوم على الخوف وملاحقة مواطنيها محكومة بالزوال، مهما طال الزمن. وهكذا، تبقى هذه الذكرى، بما تحمله من ألم وذاكرة، تذكيرا بأن الكرامة ليست شعارا عابرا، بل حاجة إنسانية عميقة، وأن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا حين تتحقق العدالة، ويحاسب المسؤولون عن الانتهاكات، وتستعاد إنسانية الإنسان التي كانت، منذ البداية، جوهر الحكاية.