النوروز يرسخ الهوية المشتركة في سوريا

حجم الخط

تشهد سوريا هذا العام احتفالات واسعة بعيد النوروز، في مشهد يعكس تحولا لافتا في مقاربة الدولة لهذه المناسبة التي تتقاطع فيها الأبعاد الثقافية مع الدلالات السياسية، لتتحول من طقس تقليدي لدى الأكراد إلى عيد وطني جامع يعبر عن التعددية الثقافية في البلاد.

ويأتي الاحتفال هذا العام في ظل قرار رسمي غير مسبوق، بعد صدور المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي أقر اعتماد يوم 21 آذار عطلة رسمية مدفوعة الأجر في عموم البلاد، باعتباره عيدا وطنيا يرمز إلى الربيع والتآخي، مع تأكيد أن المواطنين الأكراد يشكلون جزءا أصيلا من النسيج الوطني السوري.

حضور رسمي وثقافي في دمشق

في العاصمة السورية دمشق، نظمت وزارة الثقافة احتفالية فنية بعنوان “النوروز.. أصل الحكاية” على مسرح دار الأوبرا، بحضور رسمي ودبلوماسي، تقدمه وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، إلى جانب جمهور واسع.

وقدمت فرقة “آشتي” للتراث الكردي عرضا فنيا متكاملا، مزج بين الموسيقى والدراما، مستحضرا الذاكرة الكردية ورواية النوروز بوصفه قصة متجددة عبر الأجيال، بما يعكس عمق هذا العيد في الوجدان الثقافي.

احتفالات شعبية: من قاسيون إلى عفرين

بالتوازي مع الفعاليات الرسمية، شهدت مناطق عدة احتفالات شعبية واسعة.

ففي سفوح وقمم جبل قاسيون، احتشد آلاف المواطنين في أجواء احتفالية، حيث أوقدت شعلة النوروز في مشهد جماهيري لافت، رفعت خلاله الأعلام الكردية وسط أجواء من الحرية، وبرعاية رسمية.

كما أحيا أكراد حي ركن الدين في دمشق المناسبة في ساحة شمدين، فيما شهدت بلدة الباسوطة في ريف عفرين احتفالات مماثلة، أوقدت خلالها الشعلة وسط أجواء عبر فيها المشاركون عن اعتزازهم بإقرار النوروز عيدا وطنيا، مؤكدين أنه يمثل رمزا للحرية والتجدد وبداية مرحلة جديدة.

وفي مدينة عين العرب (كوباني)، سجلت استعدادات واسعة للاحتفال، في مؤشر على اتساع رقعة الاحتفاء بهذه المناسبة في مختلف المناطق ذات الغالبية الكردية.

النوروز: هوية تتجدد

يعد النوروز، الذي يعني “اليوم الجديد”، مناسبة ضاربة في عمق التاريخ، ترتبط ببداية فصل الربيع، وتحمل رمزية متجددة لدى الشعوب التي تحتفل به، ولا سيما الأكراد.

ويمثل العيد محطة سنوية تتجلى فيها قيم الأمل والتجدد، حيث تبدأ الاستعدادات داخل العائلات بشراء الملابس الجديدة وتحضير الأطعمة التقليدية، قبل أن تنتقل مظاهر الاحتفال إلى الطبيعة، عبر التجمعات في المساحات المفتوحة، وإحياء العروض الفلكلورية والأمسيات الثقافية.

وتبقى النار الرمز الأبرز في طقوس النوروز، بما تحمله من دلالات النور والانبعاث، في تقليد متوارث يعكس استمرارية الهوية الثقافية.

من التقييد إلى الاعتراف

مر النوروز في سوريا بمراحل متباينة، إذ شهد في فترات سابقة قيودا على مظاهر الاحتفال، خصوصا إشعال النيران في ليلة 20 آذار، وما رافق ذلك من تضييق على المحتفلين.

غير أن المرحلة الحالية تمثل تحولا نوعيا، مع الاعتراف الرسمي بالنوروز عيدا وطنيا، وهو ما لقي ترحيبا واسعا، باعتباره خطوة تعكس تقديرا للتنوع الثقافي وتعزز مفهوم الهوية الوطنية الجامعة.

وقال محمد ولي، عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، في حديث لمنصة سوريا 24: “يعد الاحتفال بعيد النوروز في سوريا اليوم، بوصفه مناسبة وطنية رسمية، محطة تاريخية للكرد السوريين وللسوريين عموما، إذ يعكس توجها جديدا نحو تجاوز عقود من الإقصاء والتهميش والإنكار التي مورست خلال حقبة النظام البعثي السابق”.

وأضاف: “عانى السوريون عموما من أشكال متعددة من الظلم، فيما واجه الكرد بشكل خاص ما يمكن وصفه بـ(الظلم المركب)، نتيجة انتمائهم الوطني من جهة وهويتهم القومية من جهة أخرى”.

وزاد بالقول: “في هذا السياق، يكتسب عيد النوروز بعدا إضافيا، حيث يعبر المواطنون عن اعتزازهم بهويتهم السورية، في ظل رعاية رسمية للفعاليات المرتبطة بالمناسبة على امتداد الجغرافيا السورية، ما يعزز الشعور بالانتماء ويبعث برسائل إيجابية نحو المستقبل”.

كما يعكس هذا التحول صورة لسوريا بوصفها دولة غنية بتنوعها القومي والديني، وقادرة على استثمار هذا التنوع مصدرا للقوة، وسط تطلعات بأن تكون المرحلة المقبلة حافلة بالاستقرار والفرح والإعمار لجميع مكونات الشعب السوري، حسب تعبيره.

سياق أوسع من المناسبات

ويأتي إدراج النوروز ضمن العطل الرسمية هذا العام، ضمن حزمة مناسبات أعلنتها رئاسة الجمهورية، شملت أيضا عيد الثورة وعيد الفطر وعيد الأم، في خطوة تعكس محاولة لإبراز الطابع التعددي للمجتمع السوري عبر المناسبات الوطنية.

عيد يتجاوز الاحتفال

لم يعد النوروز في سوريا مجرد مناسبة احتفالية، بل بات يحمل دلالات أعمق تتصل بالاعتراف الثقافي والانفتاح الاجتماعي، ويؤسس لمرحلة جديدة من إعادة تعريف الهوية الوطنية بوصفها هوية متعددة ومتكاملة.

وفي هذا الصدد، قال الأكاديمي والباحث الدكتور طلال المصطفى في حديث لمنصة سوريا 24: “في هذا العام تحول عيد النوروز في سوريا من مناسبة ثقافية خاصة إلى عيد وطني بشكل رسمي بمرسوم رئاسي”.

وأضاف أن: “هذا اليوم يحمل دلالات أعمق من مجرد الاحتفال؛ فهو يعكس اعترافا رسميا بالتنوع الثقافي والعرقي الذي يميز المجتمع السوري”، مشيرا إلى أن: “هذا التحول يعبر عن وعي متزايد بأهمية احتضان جميع مكونات المجتمع السوري، وإعطاء مساحة لكل ثقافة لتعبر عن نفسها ضمن إطار وطني جامع”.

وتابع: “يوم النوروز، بما يحمله من رمزية وطنية للكرد، يمكن أن يكون فرصة لتعزيز قيم التعايش والتسامح، وترسيخ فكرة أن الاختلاف ليس مصدر انقسام بل غنى يضاف إلى الهوية الوطنية السورية، وعندما تتحول المناسبات الثقافية إلى أعياد وطنية، فإنها تساهم في بناء جسور بين المكونات السورية المختلفة، وتدعم شعور الانتماء المشترك”.

وختم بالقول: “قوة أي مجتمع تكمن في قدرته على تحويل تنوعه إلى مصدر وحدة، لا خلاف”.

وفي ظل هذا التحول، يبدو النوروز اليوم أقرب إلى كونه مساحة مشتركة للتعبير عن الانتماء، حيث تلتقي الثقافة مع السياسة، ليشكلا معا ملامح “اليوم الجديد” في سوريا.