الرقة: معتقلو “التنظيم” بين إرث الحرب وحدود العدالة

حجم الخط

في الرقة، المدينة التي تحولت يوما إلى مركز لسلطة تنظيم “داعش”، لا تزال الحرب حاضرة، لا في أنقاض الأبنية فقط، بل في الأسئلة المفتوحة التي خلفتها.

فمنذ استعادتها في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بعد معركة أنهت وجود التنظيم في ما عرف بـ”عاصمته”، دخلت المدينة مرحلة انتقالية طويلة، لم تحسم فيها معالم العدالة بقدر ما تبدلت فيها أشكال السيطرة.

وعلى مدى سنوات، خضعت الرقة لسيطرة “قسد”، التي أدارتها عبر هياكل مدنية وأمنية محلية.

ومع التحولات الأخيرة، مطلع العام الجاري، التي أفضت إلى استعادة الدولة السورية السيطرة على كامل المحافظة، أعيد رسم المشهد الإداري والقانوني، لكن من دون أن تحل الملفات العالقة، وفي مقدمتها ملف المعتقلين.

في هذا السياق، نظم أهالي معتقلين وقفة احتجاجية، اليوم الاثنين، في محاولة لكسر الصمت الذي يحيط بمصير أبنائهم.

لم تكن الوقفة حدثا عابرا، بل تعبيرا عن حالة ممتدة من القلق، تتقاطع فيها الذاكرة الجماعية للحرب مع واقع قانوني لا يزال غير مستقر.

تقول أم عيسى، والدة أحد المعتقلين: “كان طفلا عندما كان داعش هنا… اليوم يتهم بأنه منهم”.

بهذه الجملة تختصر مفارقة يعيشها كثيرون في الرقة، حيث يصعب، بعد سنوات من السيطرة القسرية للتنظيم، التمييز بين من كان جزءا منه ومن كان مجرد عالق في زمنه.

منذ سقوط التنظيم في المدينة، ثم انهياره الكامل في شرق سوريا عام 2019، طبقت مقاربات أمنية ركزت على ملاحقة الخلايا النائمة في المنطقة الشرقية من البلاد، التي بقيت إحدى أبرز بؤر النشاط المتبقي للتنظيم.

غير أن هذه المقاربات، رغم ارتباطها بسياق أمني هش، أثارت انتقادات متزايدة بسبب ما وصف بتوسع الاشتباه وامتداد فترات الاحتجاز، في غياب مسارات قضائية واضحة ومكتملة.

في ظل هذه التعقيدات، تراكمت ملفات المعتقلين ضمن منظومات مختلفة تعاقبت على إدارة المدينة، ما أدى إلى غموض في الإجراءات وتباين في المرجعيات.

يقول حذيفة الخلف، أحد المشاركين في الوقفة: “راجعنا المحاكم والسجون وكل الجهات… لكن من دون نتيجة”.

وهي عبارة تعكس حالة من الانسداد، حيث لا معلومات دقيقة عن التهم أو مدد الاحتجاز أو حتى أماكن وجود بعض الموقوفين.

ويزداد القلق لدى الأهالي مع ما يتداول عن نقل بعض المعتقلين إلى خارج البلاد خلال الفترات السابقة، في ظل غياب معلومات رسمية واضحة، ما يعزز المخاوف من انقطاع أي مسار قانوني يمكن تتبعه.

في المقابل، لا يمكن فصل هذا الواقع عن استمرار التهديدات الأمنية، إذ لا تزال خلايا مرتبطة بالتنظيم تنفذ هجمات متفرقة في المنطقة الشرقية، ما يفرض تحديات إضافية على أي مقاربة قضائية.

إلا أن هذا الواقع، كما يشير حقوقيون، لا يفترض أن يلغي الحاجة إلى ضمانات قانونية أساسية، توازن بين متطلبات الأمن وحقوق الأفراد.

ضمن هذا المشهد، يطرح ملف المعتقلين سؤالا أوسع: كيف يمكن بناء عدالة في مرحلة ما بعد النزاع؟ وهل ستكون عدالة سريعة ذات طابع أمني، أم مسارا قضائيا أكثر تأنيا يضمن المحاكمة العادلة؟

الناشط أحمد البوش يدعو إلى تحقيقات مستقلة في بعض القضايا التي يرى أنها شابها تسرع في الاتهام، محذرا من أن “الخلط بين الضحية والمشتبه به يقوض الثقة بالمؤسسات”.

وهي ثقة تبدو، في الرقة، في طور إعادة التشكل بعد سنوات من الانهيار والتعدد في مراكز القرار.

ومع استعادة الدولة السورية السيطرة على المحافظة، تتجه الأنظار إلى إمكانية فتح مراجعة شاملة لملفات المعتقلين، وتوحيد المرجعية القضائية، بما يضع حدا لحالة الغموض التي رافقت هذا الملف لسنوات.

لكن، في الرقة، لا تختصر القضية في المسارات القانونية وحدها، فخلف كل ملف، تقف عائلة، وخلف كل اسم، حكاية انتظار.

هنا، حيث انتهت المعارك منذ سنوات، لا تزال الحرب مستمرة بشكل آخر: في صمت البيوت، وفي الأسئلة التي لا تجد جوابا.

أمهات ينتظرن، وآباء يراجعون الأبواب ذاتها، مرة بعد أخرى، من دون يقين.

وبينما يعاد صياغة المشهد السياسي والقانوني في المدينة، يبقى مطلب هؤلاء بسيطا، يكاد يكون بديهيا: أن يعرفوا أين أبناؤهم، ولماذا غابوا، ومتى يعودون.