في سياق إحياء الذكرى السنوية لانطلاق الثورة السورية، وتحت مظلة فعاليات أيام الفن التشكيلي التي تقيمها وزارة الثقافة، احتضن المركز الثقافي في درعا، اليوم، معرضا فنيا جماعيا تحت عنوان “تجليات تشكيلية” جمع نخبة من الفنانين التشكيليين، ولوحات لفنانين راحلين، في محاولة لاستحضار الذاكرة الجمعية للسوريين عبر اللون والخط والتكوين، وتأكيد حضور الفن بوصفه شاهدا حيا على واحدة من أكثر المحطات تأثيرا في تاريخ البلاد، ويستمر المعرض حتى يوم الخميس.
مدير المركز الثقافي في درعا، فهد عبود، أوضح لسوريا 24 أن المعرض تميز بغناه البصري وتنوع مدارسه الفنية، حيث ضم أعمالا تنتمي إلى المدارس التجريدية والواقعية والتعبيرية والتكعيبية والسوريالية، في انعكاس واضح لتعدد الرؤى الفنية واختلاف المقاربات الجمالية لدى الفنانين المشاركين. كما تنوعت التقنيات المستخدمة في تنفيذ الأعمال، بين لوحات الأكريليك والطباعة الفنية (الغرافيك) والكولاج، ما أضفى على المعرض حيوية تقنية ومشهدية لافتة، تعكس تطور التجربة التشكيلية في المحافظة رغم التحديات.
وجاء تنظيم المعرض ثمرة تعاون بين مديرية الثقافة في درعا واتحاد الفنانين التشكيليين – فرع درعا، حيث شارك فيه 15 فنانا وفنانة قدموا أعمالا حملت في طياتها تجارب شخصية وجماعية، عبرت عن الألم والأمل، وعن الفقد والذاكرة، وعن محاولات مستمرة لإعادة صياغة الواقع بصريا. ولم يقتصر الحضور الفني على اللوحات، بل شمل أيضا أعمالا نحتية تنوعت خاماتها بين الخشب والبازلت والرخام، في دلالة على امتداد التعبير الفني إلى مختلف الأشكال والوسائط.
وافتتح المعرض مدير الثقافة في درعا، سليمان الزعبي، بحضور رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين ونقيب الفنانين الموسيقيين في المحافظة، إلى جانب عدد من الفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي، في مشهد يعكس استمرار الحراك الثقافي رغم كل الظروف. كما خصص المعرض مساحة لعرض أعمال لرواد راحلين أسهموا في إغناء الحركة التشكيلية في درعا، في لفتة وفاء تؤكد استمرارية الإرث الفني وتواصله بين الأجيال.
ولا يقتصر هذا الحدث على كونه فعالية فنية، بل يتجاوز ذلك ليؤكد الدور العميق للفن التشكيلي في توثيق الثورة السورية وتخليد ذاكرتها. فالفن، بخلاف الوسائل التوثيقية التقليدية، يمتلك قدرة فريدة على نقل المشاعر المركبة، وتحويل المعاناة الإنسانية إلى لغة بصرية تتجاوز الحدود واللغات. ومن خلال اللوحات والمنحوتات، تتحول القصص الفردية إلى ذاكرة جماعية، تحفظ تفاصيل اللحظة التاريخية وتمنحها بعدا إنسانيا دائما.
شكل الفن التشكيلي، منذ انطلاق الثورة، مساحة للتعبير الحر، ووسيلة مقاومة ناعمة في وجه العنف والطمس، حيث وثق الفنانون عبر أعمالهم مشاهد الدمار والنزوح، كما استحضروا رموز الأمل والصمود، ليصبح الفن سجلا بصريا موازيا للسرديات السياسية والإعلامية. وفي هذا السياق، يكتسب المعرض أهميته كجزء من هذا المسار، إذ يربط بين الذاكرة والهوية، ويعيد التأكيد على أن الثورة ليست حدثا عابرا، بل تجربة إنسانية عميقة لا تزال تتجدد في وجدان السوريين.
