ريف دمشق: الأمبيرات بديل قسري للكهرباء .. استغلال واسع وخدمة متردية

حجم الخط

تعيش مدن وبلدات ريف دمشق أزمة كهرباء خانقة، دفعت الأهالي إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على اشتراكات الأمبيرات كبديل اضطراري، في ظل غياب شبه تام للشبكة الكهربائية النظامية، نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب، وما رافقه من عمليات تخريب وتعفيش طالت المحولات وخطوط الكهرباء على يد قوات النظام.

وباتت خدمة الأمبيرات، التي يفترض أن تكون حلاً مؤقتاً، واقعاً يومياً يفرض نفسه على السكان، وسط تفاوت كبير في الأسعار بين منطقة وأخرى، وغياب أي رقابة فعلية على مزودي الخدمة، ما فتح الباب أمام استغلال واسع للأهالي الذين يجدون أنفسهم مجبرين على الدفع رغم رداءة الخدمة.

وأظهر استبيان أجراه المكتب الإعلامي في مدينة داريا تفاوتاً ملحوظاً في أسعار الاشتراك، حيث تتراوح قيمة الأمبير الواحد بين 5 آلاف و11 ألف ليرة سورية، بفارق يصل إلى 6 آلاف ليرة بين المناطق. ففي دوما، يتراوح السعر بين 5000 و6000 ليرة، بينما يبلغ 7500 ليرة في كل من المليحة وعربين وكفربطنا، ويرتفع إلى 8500 ليرة في ضاحية حرستا، و9000 ليرة في داريا والمعضمية والحتيتة، ليصل إلى 10 آلاف ليرة في جنوب دمشق وصحنايا، و11 ألف ليرة في قدسيا.

هذا التفاوت الكبير في التسعير يعكس حالة الفوضى التي تحكم هذا القطاع، حيث يحدد أصحاب المولدات الأسعار بشكل فردي، دون أي معايير واضحة، مستفيدين من حاجة الأهالي الملحة للكهرباء، ما يحول هذه الخدمة إلى مصدر أرباح كبيرة تبنى على حساب السكان. ورغم انخفاض أسعار المازوت، فإن سعر اشتراك الأمبيرات لم يطرأ عليه أي تغيير.

ولا يقتصر الأمر على ارتفاع الأسعار، بل تمتد المشكلة إلى تدني جودة الخدمة، إذ يشكو الأهالي من ضعف التيار الكهربائي وعدم استقراره، ما يؤدي إلى أعطال متكررة في الأجهزة المنزلية، إضافة إلى تقنين غير منظم وانقطاعات مفاجئة، رغم التكاليف المرتفعة.

وتعتمد شبكات الأمبيرات في كثير من الأحيان على أعمدة الكهرباء العامة، في استخدام عشوائي يزيد من مخاطر الأعطال والحوادث، في ظل غياب الصيانة والإشراف الفني.

آية، وهي إحدى سكان مدينة داريا، تقول في حديث لموقع سوريا 24 إن المدينة تعاني نقصاً حاداً في المحولات الكهربائية، موضحة أن “عدد المحولات قليل جداً وعليها ضغط كبير، وغالباً ما تتعرض للأعطال والانفجارات، حتى بعد إصلاحها مباشرة”، مشيرة إلى أن تكلفة إصلاح المحول الواحد قد تصل إلى 2500 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة الجهات المحلية على تحمله بشكل مستمر.

وتضيف أن الكهرباء النظامية لا تصل إلى أجزاء واسعة من المدينة، مؤكدة أن “أكثر من نصف داريا، خاصة بعد ساحة شريدي، لا توجد فيه شبكة كهرباء أساساً”، ما يضطر الأهالي إلى الاعتماد الكامل على الأمبيرات.

وتصف آية واقع الخدمة بأنه “غير مستقر إطلاقاً”، حيث تصل الكهرباء أحياناً بجهد مرتفع يتسبب في تلف الأجهزة، وأحياناً بجهد ضعيف لا يكفي لتشغيل الاحتياجات الأساسية.

وتلفت إلى أن فاتورة اشتراك أمبير الكهرباء تشكل عبئاً كبيراً على العائلات، إذ تصل تكلفة الاستهلاك لعائلتها إلى نحو 250 ألف ليرة أسبوعياً، رغم اقتصار الاستخدام على الإنارة وبعض الاحتياجات البسيطة، في ظل غياب مصادر دخل كافية. وتقول: “نحن مضطرون للدفع، حتى لو كانت الخدمة سيئة، لأن البديل هو الظلام”.

وتعكس هذه الشهادة واقع آلاف العائلات في ريف دمشق، التي وجدت نفسها رهينة لمزودي الأمبيرات، في ظل غياب بدائل حقيقية، وعدم قدرة الجهات المعنية على إعادة تأهيل شبكة الكهرباء بشكل شامل.

وتشير تقديرات محلية إلى أن مئات المحولات الكهربائية في ريف دمشق تعرضت للتدمير أو السرقة خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في منظومة الكهرباء، وجعل إعادة تشغيلها عملية مكلفة ومعقدة، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد والمعدات اللازمة للصيانة.

سوريا 24 تواصلت مع مجلس مدينة داريا للوقوف على خلفية شكاوى الأهالي ومتابعة ملف شركات الأمبيرات، وقال رائد عبيد، رئيس المجلس المحلي، إن الموضوع قيد المتابعة، ووضع حد لتفاوت الأسعار بين المناطق، والالتزام بسعر منطقي ومناسب للأهالي.

في ظل هذا الواقع، تتحول الأمبيرات من حل إسعافي إلى عبء دائم يثقل كاهل الأهالي، وسط استغلال واضح ورداءة في الخدمة، ما يعكس عمق أزمة البنية التحتية في ريف دمشق، ويطرح تساؤلات حول غياب الحلول المستدامة لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء، الذي يعد أحد أبرز مقومات الحياة والاستقرار.