أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، اليوم الجمعة، تقريرًا جديدًا يوثق واحدة من أعنف موجات العنف التي شهدتها محافظة السويداء جنوب سوريا خلال تموز/يوليو الماضي.
وأشار التقرير إلى سقوط أكثر من 1700 قتيل ونزوح نحو 200 ألف شخص، وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
أرقام صادمة وشهادات ميدانية
استند التقرير إلى 409 شهادات مباشرة من ناجين وشهود، إضافة إلى زيارات ميدانية للمناطق المتضررة، حيث وثّق المحققون دمارًا واسعًا، خصوصًا في القرى الدرزية، مع إحراق عشرات آلاف المنازل والمتاجر ودور العبادة.
وبحسب اللجنة، بلغ عدد الضحايا الإجمالي أكثر من 1707 أشخاص، بينهم:
• 1190 رجلًا و99 امرأة و53 طفلًا من المجتمع الدرزي
• 70 قتيلًا من المجتمع البدوي
• ما لا يقل عن 225 عنصرًا من القوات الحكومية
• كما لا يزال نحو 150 شخصًا في عداد المفقودين من مختلف الأطراف.
ثلاث موجات من العنف الطائفي
أوضح التقرير أن الأحداث تطورت عبر ثلاث موجات رئيسية:
• الموجة الأولى (14–16 تموز): نفذتها قوات حكومية ومقاتلون من العشائر، واستهدفت مدنيين دروزًا بعمليات قتل وإعدام ميداني وتعذيب واحتجاز تعسفي ونهب.
• الموجة الثانية (ابتداءً من 17 تموز): شنت جماعات مسلحة درزية هجمات انتقامية ضد المدنيين البدو، شملت القتل والتعذيب والتشريد القسري، ما أدى إلى تهجير شبه كامل للمجتمع البدوي من مناطق سيطرتها.
• الموجة الثالثة (17–19 تموز): قادها مقاتلو عشائر في هجمات انتقامية جديدة ضد الدروز، أسفرت عن تدمير شبه كامل لنحو 35 قرية، مع تسجيل عمليات قتل وخطف واسعة.
انتهاكات ممنهجة واستهداف على الهوية
وثّقت اللجنة أنماطًا واضحة من الاستهداف على أساس الهوية الدينية والعرقية، إضافة إلى العمر والنوع الاجتماعي، مع تسجيل:
• إعدامات ميدانية
• تعذيب وعنف جنساني
• إحراق ونهب واسع للممتلكات
• اختطاف واحتجاز غير قانوني
وأشارت إلى أن هذه الانتهاكات “قد ترقى إلى جرائم حرب”، وقد تُصنّف كجرائم ضد الإنسانية في حال استكمال الأدلة.
دور الغارات الإسرائيلية وتأجيج الصراع
لفت التقرير إلى أن الغارات الجوية التي نفذتها إسرائيل على دمشق والسويداء خلال الفترة ذاتها ساهمت في زعزعة الاستقرار، وأدت إلى سقوط قتلى، كما غذّت خطاب التخوين والتحريض الطائفي، ما عمّق الانقسام داخل المجتمع.
نزوح واسع وأزمة إنسانية مستمرة
أدى التصعيد إلى نزوح نحو 200 ألف شخص، لا يزال حوالي 155 ألفًا منهم غير قادرين على العودة، في حين يعيش معظم البدو في ظروف إنسانية صعبة داخل ملاجئ مؤقتة بعد مرور أشهر على الأحداث.
كما أشارت اللجنة إلى استمرار حالة الانقسام الميداني، مع ثبات خطوط السيطرة منذ 19 تموز، واستمرار التوترات وغياب الحوار السياسي.
دعوات للمساءلة وتحقيق دولي
أكد رئيس اللجنة، باولو سيرجيو بينهيرو، أن “حجم ووحشية الانتهاكات يفرض ضرورة محاسبة جميع المسؤولين دون استثناء”، داعيًا إلى حوار يعالج جذور الأزمة.
من جهتها، شددت المفوضة فيونوالا ني أولين على ضرورة إجراء تحقيقات “سريعة ونزيهة”، محذرة من احتمال كون الهجمات جزءًا من “هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد المدنيين”.
خطوات حكومية محدودة
أشار التقرير إلى أن الحكومة السورية سمحت بدخول اللجنة وشكّلت هيئة تحقيق وطنية أعلنت اعتقال 23 عنصرًا من الأمن والجيش، إلا أن المعلومات حول مسؤولية القيادات العليا لا تزال محدودة.
خطاب كراهية ومعلومات مضللة
سجّل التقرير تصاعدًا خطيرًا في خطاب الكراهية والتحريض، تغذّيه معلومات مضللة ومقاطع فيديو مفبركة، بما فيها مزاعم لم يتم التحقق منها، ساهمت في تعميق الانقسامات وتعقيد فرص المصالحة.
توصيات دولية
دعت اللجنة إلى:
• ضمان مساءلة شاملة لجميع المتورطين
• حماية المدنيين ومنع تكرار الانتهاكات
• تعزيز المصالحة وبناء الثقة بين المكونات
• مكافحة خطاب الكراهية، خصوصًا عبر الإنترنت
• دعم دولي للحكومة السورية في مسار العدالة وسيادة القانون
كما طالبت الأطراف الخارجية بوقف أي أعمال من شأنها زيادة زعزعة الاستقرار.