تشهد الساحة السورية تطورات أمنية لافتة على وقع تحذيرات متزايدة من احتمال استهداف منشآت مدنية داخل العاصمة دمشق، في سياق تصعيد إقليمي تقوده إيران، وسط مخاوف من جر سوريا إلى أتون الحرب الدائرة في المنطقة.
وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانا حذرت فيه من مخاطر محتملة، مشيرة إلى أن إيران سبق أن استهدفت مواقع مدنية في عدة دول شرق أوسطية، بما في ذلك فنادق ومطارات وسفارات ومنشآت غير عسكرية، لافتة إلى أن تقارير إعلامية حديثة تفيد بوجود تهديدات مماثلة قد تطال الأراضي السورية، ولا سيما الفنادق التي تستضيف أجانب.
وأضاف البيان: تشير المعطيات المتوفرة إلى أن طهران لوحت بإمكانية تنفيذ هجمات على مرافق مدنية داخل سوريا، خصوصا تلك التي تضم نزلاء أجانب، وهو ما دفع بعض الجهات والمنظمات الدولية إلى اتخاذ إجراءات احترازية، من بينها نقل موظفيها بعيدا عن الفنادق في العاصمة دمشق.
تحذيرات متقاطعة وتداعيات ميدانية
في السياق ذاته، حذرت السفارة الأمريكية في دمشق من تقارير إعلامية تتحدث عن تهديدات إيرانية محتملة تستهدف منشآت حيوية داخل البلاد، في تطور يعكس تصاعد القلق الأمني، خاصة مع تزايد المؤشرات على توسيع رقعة التوتر الإقليمي.
وجاءت هذه التحذيرات عقب تقارير إعلامية إيرانية تحدثت عن وجود عناصر عسكرية وخبراء أجانب في مواقع داخل دمشق، بينها القصر الرئاسي، ما اعتبرته طهران مبررا محتملا لإدراج تلك المواقع ضمن أهداف عسكرية.
ونقلت وكالة “فارس” شبه الرسمية عن مصادر وصفتها بالمطلعة، أن فنادق بارزة في دمشق، بينها “فور سيزن” و”شيرتون دمشق”، تستخدم لإقامة خبراء وعناصر أجنبية من جنسيات مختلفة، من بينهم أمريكيون وبريطانيون، إلى جانب مزاعم بوجود عناصر إسرائيلية، فضلا عن الإشارة إلى مجمع القصر الجمهوري كموقع يضم مستشارين أجانب.
كما تضمن التقرير الإيراني تحذيرا موجها إلى دول في المنطقة، بينها البحرين والإمارات، من استخدام المنشآت المدنية لإيواء قوات أجنبية، معتبرا أن هذه المواقع قد تتحول إلى أهداف عسكرية في حال استمرار ذلك.
محاولات جر سوريا إلى الحرب
في قراءة عسكرية للتطورات، اعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي عبد الجبار العكيدي، في حديث لمنصة سوريا 24، أن إيران تسعى منذ بداية التصعيد الإقليمي إلى جر سوريا إلى ساحة المواجهة، عبر سلسلة من التحركات غير المباشرة.
وأوضح أن هذه المحاولات بدأت عبر “تحرشات عسكرية” من قبل حلفاء طهران، بما في ذلك إطلاق قذائف من مناطق حدودية، إلى جانب محاولات حديثة لاستهداف مواقع داخل سوريا عبر فصائل مدعومة من إيران في العراق.
وأشار العكيدي إلى حادثة استهداف قاعدة في منطقة رميلان، إضافة إلى محاولات ضرب مواقع عسكرية، في إطار ما وصفه بمحاولات زعزعة الاستقرار ودفع دمشق للانخراط في الصراع.
وأكد أن الموقف السوري الرسمي ما زال ثابتا في النأي بالنفس عن الحرب، معتبرا أن البلاد “لا مصلحة لها في الانخراط في هذا الصراع”، خاصة في ظل محدودية الإمكانات العسكرية، وعدم امتلاكها قدرات ردع استراتيجية مثل الصواريخ الباليستية أو التفوق الجوي.
واعتبر العكيدي أن التهديدات الإيرانية باستهداف مواقع مدنية في دمشق، بما فيها فنادق أو مقار حكومية، “تستند إلى ذرائع غير دقيقة”، مشيرا إلى أن خلفيتها الحقيقية تعود إلى رغبة طهران في الانتقام بعد تراجع نفوذها في سوريا.
وأضاف أن تراجع المشروع الإيراني في المنطقة، وانقطاع خطوط الإمداد بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت، دفع إيران إلى البحث عن فرص للرد، في ظل خسارتها أوراقا استراتيجية داخل سوريا.
سيناريوهات التصعيد وخيارات دمشق
من جانبه، رأى المحلل السياسي عبد الرحيم خليفة، في حديث لمنصة سوريا 24، أن إيران تسعى إلى توسيع نطاق الحرب لتشمل أكبر عدد ممكن من الدول، بهدف تحويلها إلى صراع إقليمي أو حتى دولي، ما من شأنه زيادة الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأوضح أن احتمال استهداف مواقع داخل سوريا “يبقى قائما”، خاصة مع استمرار الحرب لفترة طويلة وخروجها تدريجيا عن السيطرة، ما يرفع من مستوى المخاطر الأمنية في المنطقة.
وأشار إلى أن خيارات سوريا في حال تنفيذ تلك التهديدات تبقى محدودة، نظرا لاعتبارات تتعلق بالوضع الداخلي والقدرات العسكرية، مؤكدا أن دمشق تعتمد بشكل أساسي على التنسيق مع دول الإقليم التي تتبنى بدورها سياسة تجنب الانخراط المباشر في الحرب.
وأضاف أن هذا التوجه الإقليمي العام، رغم تعرض بعض الدول لاعتداءات، يعكس رغبة مشتركة في احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة.
مخاوف من استهداف المدنيين
تثير هذه التطورات قلقا متزايدا بشأن سلامة المدنيين والمنشآت الحيوية في سوريا، خاصة في ظل سوابق استهداف منشآت مدنية في صراعات إقليمية سابقة.
ومع تزايد التحذيرات الدولية، وبدء بعض الجهات الأجنبية بإعادة تموضع موظفيها، تبدو دمشق أمام مرحلة حساسة، تتطلب موازنة دقيقة بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب الانجرار إلى صراع إقليمي معقد.
في ظل هذه المعطيات، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، فيما يترقب المشهد السوري تداعيات أي خطوة قد تقدم عليها إيران، وما إذا كانت التهديدات ستتحول إلى واقع ميداني يعيد خلط أوراق المنطقة بأكملها.
