الدواجن في سوريا: قطاع ينهار بصمت… مربون يخسرون ومستهلكون عاجزون

حجم الخط

لم تعد تربية الدواجن في سوريا مشروعًا مربحًا كما في السابق، بل تحولت إلى مخاطرة مفتوحة على الخسارة، في ظل ارتفاع التكاليف وتقلب الأسعار وغياب الاستقرار في السوق.

داخل مدجنة شبه فارغة في ريف حلب، يقف المربي أحمد حاج زكور أمام آلاف الطيور التي لم تعد تمثل مصدر دخل بقدر ما أصبحت عبئًا ماليًا متزايدًا. خلال أقل من ثلاثة أسابيع، تكبد خسائر تُقدّر بنحو 8000 دولار.

يقول زكور لموقع سوريا 24: “خلال 20 يومًا فقط، خسرت حوالي 8000 دولار”، عازيًا ذلك إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع دور الجهات المعنية في ضبط السوق، إلى جانب التذبذب المستمر في الأسعار.

تكاليف إنتاج ترهق المربين

تعد تكاليف الإنتاج العامل الأبرز في تفاقم خسائر المربين، في ظل ارتفاع غير مسبوق في أسعار مستلزمات التربية. ويوضح زكور أن غياب التدخل الفعّال لضبط السوق أتاح للتجار التحكم بالأسعار، حيث بلغ سعر طن العلف نحو 550 دولارًا، فيما وصل سعر الفحم إلى ما بين 350 و360 دولارًا عند التسليم، في حين يقارب سعر الصوص 90 سنتًا للطير الواحد.

ويشير إلى أن أسعار الصوص ترتفع سريعًا مع ارتفاع سعر الفروج، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها عند تراجعه، ما يزيد من حدة الخسائر. كما يضطر المربون إلى بيع إنتاجهم فور جاهزيته، ما يمنح المسالخ قدرة على فرض أسعار أقل بفارق يصل إلى 100 دولار للطن.

الأمراض تزيد الخسائر تعقيدًا

إلى جانب ارتفاع التكاليف، يواجه القطاع تحديات صحية متزايدة نتيجة انتشار الأمراض وارتفاع أسعار الأدوية البيطرية. ويؤكد زكور أن ضعف فعالية بعض الأدوية المحلية يدفع المربين إلى الاعتماد على أدوية مستوردة مرتفعة الثمن، محذرًا من أن أي خلل في العلاج قد يؤدي إلى خسارة الدورة الإنتاجية بالكامل، فضلًا عن خطر انتشار الأوبئة.

قرارات حكومية متضاربة تربك السوق

بالتوازي مع هذه التحديات، شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة قرارات حكومية أثرت بشكل مباشر على القطاع، ففي نهاية شباط 2026، سُمح باستيراد الفروج الحي خلال شهر رمضان بهدف زيادة العرض.

وفي المقابل، تم منع استيراد الفروج المجمد وأجزائه خلال آذار في محاولة لحماية الإنتاج المحلي، ثم عادت الجهات المعنية لتمديد السماح باستيراد الفروج الحي وبيض الفقس والصوص حتى نهاية نيسان.

هذا التبدل السريع بين المنع والسماح خلق حالة من عدم الاستقرار في السوق، انعكست مباشرة على الإنتاج والأسعار.

الاستيراد يربك السوق

في هذا السياق، يشكل الاستيراد عامل ضغط إضافي على الإنتاج المحلي، خاصة في ظل غياب استقرار السياسات. ويشير زكور إلى أن بعض الكميات تُخزّن من قبل جهات صناعية وتُطرح في السوق عند ارتفاع الأسعار، ما يؤدي إلى كسرها بشكل مفاجئ وإلحاق خسائر مباشرة بالمربين.

تربية غير نظامية تفاقم الأزمة

وتزداد تعقيدات القطاع مع انتشار المداجن غير المرخصة، حيث تُربّى أعداد كبيرة من الطيور في بيئات تفتقر إلى الرقابة البيطرية، سواء داخل خيم غير مجهزة أو في أماكن عشوائية، ما يساهم في انتشار الأمراض ويؤثر سلبًا على جودة الإنتاج، وهو ما يؤكده زكور، مطالبًا بإيجاد حلول سريعة للمداجن غير المرخصة.

سعر الفروج في السوق… ارتفاع رغم التدخلات

رغم محاولات ضبط السوق، شهدت أسعار الفروج خلال آذار ارتفاعًا ملحوظًا، مع تفاوت بين المناطق، فقد وصل سعر كيلو الفروج الحي في بعض الأسواق إلى نحو 350 ليرة سورية جديدة، بعد أن كان يتراوح بين 220 و270، كما تراوحت أسعار أجزاء الفروج بين 35 ألفًا و68 ألف ليرة سورية، في ظل شكاوى من عدم التزام الأسواق بالتسعيرة الرسمية.

المواطن في قلب الأزمة

هذا الواقع انعكس مباشرة على المستهلك. يقول محمود العمر، وهو موظف من ريف حلب: “حتى مع كل الكلام عن انخفاض الأسعار، نحن لا نشعر بذلك. الفروج أصبح وجبة نحسب لها حساب، ولم نعد نشتريه إلا عند الضرورة”.

خسائر واسعة وتراجع في الاستمرار

في هذا السياق، يؤكد المربي عبد الناصر قوجة أن نحو 90% من المربين يتعرضون لخسائر، مشيرًا إلى أن هذه الخسائر تراكمت على مدى سنوات، وأن كثيرًا منهم يواجهون ديونًا تصل إلى عشرات آلاف الدولارات.

ويبين أن أسعار الفروج خلال رمضان بلغت نحو 2000 دولار للطن، وهو مستوى قريب من تكلفة الإنتاج المقدّرة بنحو 1800 دولار، ما يجعل هامش الربح شبه معدوم.

كما يشير إلى أن نسبة من حققوا نتائج إيجابية لا تتجاوز 20%، فيما لم يستمر في التربية سوى نحو 40% من المربين.

إنتاج الدواجن والاستهلاك… تراجع مزدوج

تشير بيانات وتقارير زراعية، من بينها تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، إلى أن قطاع الدواجن في سوريا شهد تراجعًا ملحوظًا مقارنة بمستوياته قبل عام 2011.

فبحسب تقديرات وزارة الزراعة السورية، انخفض عدد منشآت الدواجن من نحو 12 ألف مدجنة إلى ما يقارب 5300 منشأة عاملة حاليًا، نتيجة خروج أعداد كبيرة من المربين من السوق، في ظل ارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة واللقاحات.

ورغم ذلك، يقدّر إنتاج لحوم الدواجن في السنوات الأخيرة بنحو 160 إلى 170 ألف طن سنويًا، فيما يصل إنتاج بيض المائدة إلى نحو 1.8 إلى ملياري بيضة سنويًا، ما يعكس استمرار هذا القطاع كأحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي في البلاد.

في المقابل، تراجع متوسط استهلاك الفرد من لحوم الدواجن بشكل ملحوظ، إذ كان يتراوح بين 12 و15 كيلوغرامًا سنويًا للفرد قبل عام 2011، قبل أن ينخفض إلى نحو 6 إلى 7 كيلوغرامات حاليًا، في مؤشر يعكس تراجع القدرة الشرائية أكثر من كونه تراجعًا في أهمية هذا المنتج الغذائي.

تراجع الإنتاج… مؤشرات مقلقة

تعكس مؤشرات السوق حجم التراجع في قطاع الدواجن، إذ أفاد عاملون في القطاع بانخفاض الكميات المطروحة في الأسواق بنحو 50% مقارنة بالفترات السابقة، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.

كما تراجعت كميات الذبح اليومية في بعض المسالخ من 6–8 أطنان إلى نحو 3 أطنان فقط، وفق تصريحات أصحاب مسالخ نقلتها الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، ما يعكس انخفاضًا حادًا في الإنتاج الفعلي.

وبناءً على هذه المعطيات، يشير مربون وخبراء إلى أن مستوى التشغيل الحالي لا يتجاوز 40% إلى 50% من الطاقة الإنتاجية، في مؤشر واضح على عمق الأزمة.

تكلفة مرتفعة مقابل عائد منخفض

وبناءً على ذلك، تتسع الفجوة بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع، ما يضعف الجدوى الاقتصادية. ويوضح قوجة أن كيلو الفروج يُباع بنحو دولارين فقط، مقارنة بنحو 14 دولارًا لكيلو اللحم الأحمر.

كما تبلغ تكلفة التدفئة نحو 50 دولارًا للدورة، ويصل استهلاك العلف إلى نحو 2.5 كيلوغرام لكل طير، ما يعكس ارتفاع الكلفة مقابل عائد محدود.

فقدان الثقة وتوقف المداجن

ومع استمرار هذه الظروف، تراجعت ثقة المربين بالسوق، في ظل التقلبات السعرية ودخول المستورد، ما جعل المخاطرة مرتفعة. ويشير قوجة إلى أن عددًا من المداجن أوقف نشاطه بالفعل.

ويشتكي من دور بعض الشركات الكبرى التي كانت تربي نحو مليون طير، وتخليها عن دورها في الإنتاج بعد أن تكبدت خسائر فادحة، مشيرًا إلى أنها أصبحت تعمل فقط في تأمين المواد الأساسية للمربين الصغار، وبالتالي حافظت على أرباحها وحملت خسائرها على أصحاب المداجن الذين لا يتراوح إنتاجهم من الطيور نحو 5 آلاف فقط.

أزمة بنيوية متعددة المستويات

يرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة لم تعد مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تعكس خللًا بنيويًا عميقًا في القطاع. ويشيرون إلى أن الاعتماد الكبير على المستوردات، وتقلبات سعر الصرف، وغياب التنظيم الفعّال للسوق، كلها عوامل ساهمت في تفاقم الوضع.
كما أن التبدل المستمر في سياسات الاستيراد بين المنع والسماح خلق بيئة غير مستقرة، وأدى إلى منافسة غير متكافئة مع الإنتاج المحلي.

وفي هذا السياق، يرى مختصون أن السياسات الحالية، رغم محاولاتها ضبط السوق، تساهم عمليًا في تفريغ القطاع تدريجيًا من صغار المنتجين، لصالح أنماط إنتاج أكثر تركّزًا.

رواية حكومية مختلفة

في المقابل، تربط الجهات الرسمية ارتفاع الأسعار بعوامل استثنائية، من بينها زيادة الطلب خلال شهر رمضان وانتشار الأمراض. ويؤكد مدير مديرية حماية المستهلك حسن الشوا أن الإجراءات الحكومية، بما في ذلك الاستيراد والتسعير، ساهمت في خفض الأسعار.

ويقول الشوا لموقع سوريا 24 إن إصابة قطاع الدواجن بوباء خلال الفترة الماضية أدت إلى منع الاستيراد وارتفاع أسعار مادة الفروج في الأسواق.

وأوضح الشوا أن زيادة الطلب مع دخول شهر رمضان ساهمت في تفاقم الأزمة، ما دفع الجهات المعنية إلى التدخل لضبط الأسعار ومنع حالات الاستغلال.

وأشار إلى أن المديرية فرضت التأشيرة السعرية كإجراء مباشر لإعادة التوازن إلى السوق، مؤكدًا أن هذه الخطوة ساهمت في الحد من الارتفاع غير المبرر في الأسعار.

وأضاف أنه تم لاحقًا اتخاذ قرار بفتح باب استيراد الفروج الحي، مع إخضاعه لرقابة صحية مشددة لضمان خلوه من الأمراض والحفاظ على سلامة المستهلك.

وبيّن الشوا أن هذه الإجراءات انعكست بشكل إيجابي على السوق، حيث شهدت الأسعار انخفاضًا تدريجيًا، ليصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 1800 ليرة، بعد أن كان بحدود 2800 ليرة، بنسبة انخفاض تقارب 35%.

إلا أن المربين يرون أن هذه الإجراءات لم تعالج جذور الأزمة، ولم تنصفهم.

من يربح في هذا السوق؟

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن سوق الدواجن في سوريا يعيش حالة اختلال واضحة: مربون يخرجون من القطاع تحت ضغط الخسائر، ومستهلكون يواجهون تراجعًا مستمرًا في القدرة الشرائية، وسوق يتأرجح بين قرارات متغيرة دون استقرار حقيقي. وإذا استمر هذا المسار، فإن الخسارة قد لا تبقى محصورة بالمنتجين فقط، بل قد تمتد إلى الأمن الغذائي في البلاد.