في مدينة لا تزال تحمل ندوب سنوات طويلة من النزاع، يتقدم مسار التعافي في حمص بخطى حذرة، محكوماً بقيود مالية وإدارية، وبغياب رؤية شاملة لإعادة الإعمار. هذا ما يتضح من خلال المعطيات التي عرضها بشار السباعي، رئيس مجلس المدينة، في حوار خاص مع موقع سوريا 24 تناول واقع العمل البلدي والتحديات المرتبطة بعودة السكان وإعادة تأهيل البنية الحضرية.
إعادة تعريف دور لجان الأحياء
في مقاربة تتجاوز الدور التقليدي للجان الأحياء، يشير السباعي إلى توجه نحو إعادة تأهيل اللجان الخدمية، بحيث لا يقتصر دورها على نقل شكاوى المواطنين، بل يمتد إلى تطوير أدائها عبر برامج تدريبية تهدف إلى تعزيز التنسيق مع الوحدات الإدارية. ويأتي هذا التوجه في سياق محاولة استعادة فعالية المؤسسات المحلية بعد سنوات من التراجع.
مشاريع تطوير عقاري ضمن إطار تنظيمي قائم
على مستوى التخطيط العمراني، يبرز مشروعا “بوليفار النصر” و“مشاريع أخرى” كجزء من مقاربات جزئية لإعادة تنظيم المدينة، ضمن المخطط التنظيمي المعتمد. ولا تزال هذه المشاريع في مرحلة استكمال الإجراءات القانونية والتصديقات الرسمية، على أن تتولى الجهات المطورة تمويلها.
ويؤكد السباعي أن هذه المشاريع تنفذ على أملاك عامة تعود لمجلس المدينة، ما يستبعد مسألة التعويض للسكان، ويضعها في إطار إعادة استثمار الأصول العقارية العامة، لا ضمن سياسة إسكان أو إعادة توطين.
غياب برنامج شامل لإعادة الإعمار
على خلاف التوقعات، لا توجد حتى الآن خطة وطنية أو دولية متكاملة لإعادة إعمار حمص. وبدلاً من ذلك، بحسب السباعي، يعتمد المسار الحالي على مبادرات فردية مدفوعة بتحفيز الملكية الخاصة، في ظل التزام بالمخططات التنظيمية القائمة.
ويقتصر دور المجلس البلدي على تسهيل الإجراءات وتوفير الخدمات الأساسية، دون أن يمتلك أدوات تنفيذية أو تمويلية لإطلاق مشاريع واسعة النطاق.
قيود مالية تحد من القدرة التنفيذية
وفيما يتعلق بالميزانية التي يعمل عليها مجلس المدينة، يوضح السباعي أن المجلس يعمل ضمن إطار الموازنة الاثني عشرية، وهو ما يحد بشكل كبير من قدرتها على التخطيط الاستثماري أو التعاقد على مشاريع كبرى. وتوجه الموارد المتاحة بشكل أساسي نحو:
تغطية الرواتب
تنفيذ أعمال الصيانة الضرورية
دعم مشاريع محدودة التمويل خارج الموازنة العامة
وفي هذا السياق، يصبح تأمين الحد الأدنى من الخدمات شرطاً أساسياً لاستمرار عودة السكان إلى أحيائهم.
الأنقاض: تحد متحرك مرتبط بعودة السكان
يمثل ملف الأنقاض أحد أبرز التحديات التي تواجه المدينة، ليس فقط بسبب حجمه، بل أيضاً لطبيعته المتغيرة. فبحسب السباعي، تتزايد كميات الأنقاض مع عودة السكان، نتيجة أعمال الترميم وإعادة التأهيل.
ولا تقتصر هذه الأنقاض على الأبنية المدمرة، بل تشمل أيضاً تلك التي تعرضت لتدهور بفعل الزمن، بعد سنوات من الهجر، ما يوسع من نطاق المشكلة.
ومن الناحية القانونية، تقع مسؤولية معالجة الأنقاض ضمن الملكيات الخاصة على عاتق أصحابها، في حين تتولى البلدية إزالة الأنقاض في الأملاك العامة، وهو ما يفرض تداخلاً في المسؤوليات ويعقد آليات المعالجة.
وتيرة الترحيل بين الإمكانيات وحجم الدمار
فيما يتعلق ببطء إزالة الأنقاض، يربط السباعي ذلك بعوامل موضوعية، أبرزها الارتفاع المستمر في أعداد العائدين، واتساع رقعة الأحياء المأهولة، إضافة إلى الكلفة المرتفعة لعمليات الترحيل.
ويؤدي هذا الواقع إلى ضغط متزايد على الخدمات البلدية، خصوصاً في الأحياء التي شهدت عودة كثيفة للسكان، ما يفرض أولويات تشغيلية متبدلة بشكل مستمر.
بنية تحتية متعددة الجهات وتعاف تدريجي
تتوزع مسؤوليات البنية التحتية بين جهات مختلفة، حيث تتبع قطاعات حيوية كالكهرباء والمياه لمؤسسات مركزية، ما يحد من قدرة المجلس المحلي على التدخل الشامل.
وفي ما يخص الطرق، يشير السباعي إلى أن تنفيذ أعمال التعبيد بشكل نهائي يبقى مشروطاً باستقرار الأبنية واستكمال شبكات الخدمات، ما يفرض الاكتفاء حالياً بأعمال ترميم مرحلية تهدف إلى تحسين الواقع الخدمي دون تثبيت حلول نهائية، وفي ختام حديثه يؤكد السباعي أن العمل الحالي يقوم على الاستجابة لتطورات الواقع ومحاولات معالجتها ضمن الموارد المتاحة.