بعد أكثر من عقد على التطورات الأمنية والعسكرية التي شهدتها سوريا، لا تزال المدن والبلدات السورية تواجه تحديات هائلة ناجمة عن تراكم الأنقاض والمخلفات الحربية، التي تعيق عودة ملايين النازحين وتؤخر جهود إعادة الإعمار.
وحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لا يقتصر تأثير هذه الأنقاض على المشهد العمراني فحسب، بل يمتد ليشكل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين، نتيجة احتمال احتوائها على ذخائر غير منفجرة ومواد سامة، فضلاً عن مخلفات بشرية في بعض المناطق.
وتؤكد التقديرات أن حجم الدمار الذي طال البنية التحتية في البلاد غير مسبوق، إذ تضررت أو دُمرت آلاف المنازل والمستشفيات والمدارس، إلى جانب شبكات الطرق ومحطات توليد الطاقة، ما يجعل عملية إزالة الأنقاض خطوة أساسية لا غنى عنها قبل الشروع في أي جهود لإعادة التأهيل أو التنمية.
جهود أممية لإزالة الأنقاض
في هذا السياق، يبرز دور برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يعمل، بدعم من شركائه الدوليين، على تنفيذ عمليات واسعة لإزالة الأنقاض في مختلف المناطق السورية.
وقد تمكن البرنامج من إزالة أكثر من 2.1 مليون متر مكعب من الأنقاض، أي ما يعادل نحو 3.15 مليون طن، في خطوة وصفت بأنها حجر الأساس لعملية التعافي.
ولا تقتصر هذه الجهود على إزالة المخلفات فقط، بل تشمل أيضاً برامج توعية بالمخاطر، حيث يتلقى العمال تدريبات متخصصة للتعامل مع الأجسام الخطرة، في حين يتم توعية الأطفال بكيفية التعرف على الذخائر غير المنفجرة وتجنبها، في محاولة للحد من الحوادث المميتة التي سجلت خلال السنوات الماضية.
مخاطر صحية وأمنية معقدة
تشير الجهات المعنية إلى أن الأنقاض في مناطق النزاع غالباً ما تكون ملوثة بالمواد الخطرة، بما في ذلك الذخائر غير المنفجرة والنفايات الكيميائية، ما يشكل تحديات كبيرة على صعيدي الصحة العامة والسلامة.
كما أن وجود هذه المخلفات يعيق وصول فرق الإغاثة والخدمات الأساسية إلى المناطق المتضررة، ويؤخر استئناف الأنشطة الحيوية مثل الزراعة وإعادة تشغيل المرافق العامة.
ويؤكد خبراء أن إزالة هذه المخاطر تمثل شرطاً أساسياً لعودة السكان إلى منازلهم، إذ لا يمكن ضمان بيئة آمنة دون معالجة شاملة لمخلفات الحرب، بما في ذلك الألغام الأرضية والعبوات غير المنفجرة.
شراكات دولية لتعزيز الاستجابة
تعتمد عمليات إزالة الأنقاض في سوريا على شبكة واسعة من الشراكات الدولية، تضم جهات أممية ومنظمات متخصصة، من بينها دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة وهالو ترست، إضافة إلى السلطات الوطنية المعنية.
وتسهم هذه الشراكات في تنسيق الجهود وتوفير الموارد والخبرات الفنية اللازمة لتنفيذ عمليات الإزالة بشكل آمن وفعال، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الميداني وتعدد مصادر التهديد.
إعادة التدوير: من الدمار إلى البناء
في شمال غرب سوريا، تمثل إعادة تدوير الأنقاض أحد الحلول المبتكرة التي يجري العمل عليها، حيث أُعيد استخدام نحو 257 ألف طن من المخلفات في إعادة تأهيل الطرق والساحات العامة ومشاريع البنية التحتية.
ويسهم هذا التوجه في تقليل الكلفة البيئية والاقتصادية، وتحويل الأنقاض من عبء إلى مورد يمكن الاستفادة منه في عملية إعادة الإعمار.
فرص عمل وتعزيز التعافي المجتمعي
إلى جانب الأبعاد الهندسية واللوجستية، تحمل عمليات إزالة الأنقاض بعداً اجتماعياً مهماً، إذ توفر فرص عمل للسكان المحليين، ما يعزز من قدرتهم على تأمين دخل مستدام والمشاركة في إعادة بناء مجتمعاتهم.
كما تسهم هذه الجهود في استعادة الشعور بالملكية والانتماء، حيث يرى السكان نتائج ملموسة لعمليات التعافي، ما يعزز الثقة بالمستقبل ويدعم الاستقرار الاجتماعي.
خطط مستقبلية لتوسيع العمليات
مع بداية عام 2026، يعتزم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي توسيع نطاق عملياته، من خلال إزالة أكثر من 550 ألف متر مكعب إضافي من الأنقاض في أربع محافظات سورية، في إطار خطة تهدف إلى تسريع وتيرة التعافي وتهيئة الظروف لعودة النازحين.
وتشير التوقعات إلى أن استمرار هذه الجهود، بدعم دولي متواصل، سيكون عاملاً حاسماً في إعادة الحياة إلى المدن المتضررة، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء في سوريا.
ورغم التحديات الكبيرة، تمثل عمليات إزالة الأنقاض خطوة محورية في مسار التعافي السوري، إذ تفتح المجال أمام إعادة الإعمار وعودة السكان، وتعيد ربط المجتمعات بخدماتها الأساسية.
ومع تواصل الجهود الدولية والمحلية، يبقى الأمل قائماً في تجاوز آثار الحرب وبناء مستقبل أكثر استقراراً.