في خطوة تعكس السعي لإعادة إحياء المدن المتضررة من الحرب، شهدت مدينة دوما في ريف دمشق انعقاد “مؤتمر التعافي الأول”، الذي نظّمه المجلس المحلي للمدينة برعاية محافظ ريف دمشق عامر الشيخ، وبحضور رسمي ودبلوماسي لافت، ضمّ ممثلين عن رئاسة الجمهورية ووزارات خدمية وشخصيات أمنية وسفير مملكة البحرين.
وقال المكتب الإعلامي لمدينة دوما، في حديث خاص لسوريا 24، إن انعقاد المؤتمر يأتي انطلاقاً من قناعة راسخة بأن “الثورة مبدأ وليست مرحلة”، وأن استكمال مسار التعافي وإعادة البناء يشكّل امتداداً طبيعياً لتلك المبادئ، في ظل ما تعرّضت له المدينة من دمار واسع خلال سنوات الحرب.
وشهد المؤتمر حضور كل من مندوب الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية الدكتور محمد نذير الحكيم، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، وسفير مملكة البحرين وحيد مبارك سيّار، إلى جانب مدير الأمن الداخلي في ريف دمشق العميد أحمد دالاتي، في مشهد يعكس توجهاً نحو تعزيز التنسيق بين الجهات المحلية والرسمية والدولية لدعم جهود التعافي.
وأكد القائمون على المؤتمر أن المشاركة الواسعة تمثل “واجباً وطنياً” وخطوة نحو تحقيق حلم إعادة تأهيل المدينة، التي عادت إليها الحياة تدريجياً بعد سنوات من النزوح، لكنها لا تزال تعاني من آثار الدمار الكبير في بنيتها التحتية ومرافقها الخدمية.
وتواجه دوما جملة من التحديات المعقّدة، أبرزها الضغط الكبير على الخدمات نتيجة الكثافة السكانية المرتفعة وعودة المهجّرين، ما أدى إلى إرهاق شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، إضافة إلى تضرر الطرق ووجود أبنية آيلة للسقوط وأنفاق ومخلّفات حرب تحتاج إلى معالجة عاجلة.
كما يبرز تحدي الحوكمة المؤسسية، إذ يعمل المجلس المحلي على تحديث بنيته الإدارية والتشريعية وتطوير كوادره البشرية، بهدف تحسين جودة الخدمات وتسريع الاستجابة لاحتياجات السكان. في المقابل، تتسع الفجوة الخدمية مع تزايد الحاجة إلى تأهيل المدارس والمراكز الصحية لاستيعاب الأعداد المتنامية من السكان.
ويشكّل التمويل أحد أبرز العوائق أمام عملية التعافي، في ظل فجوة واضحة بين الموارد المتاحة وحجم الاحتياجات، إلى جانب غياب مخطط تنظيمي حديث، حيث لم تُنظَّم المناطق العشوائية المحيطة بالمدينة منذ أكثر من أربعة عقود.
وفي إطار معالجة هذه التحديات، طرح المؤتمر رؤية تنموية للفترة بين 2026 و2029، تبدأ بمرحلة الاستجابة العاجلة خلال الأشهر الستة الأولى، وتركّز على تثبيت الاستقرار الخدمي عبر تقييم الاحتياجات الأساسية وإعادة تأهيل الخدمات الطارئة، بما يشمل إزالة مخلفات الحرب ومعالجة الأبنية المهددة بالسقوط واستعادة البنية التحتية الحيوية.
أما المرحلة الثانية، الممتدة بين 6 و18 شهراً، فتهدف إلى الانتقال نحو التعافي المستدام، من خلال إعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي والطرق، وتطوير القطاعين التعليمي والصحي، إلى جانب إطلاق برامج للتنمية الاقتصادية وتعزيز الحوكمة المحلية.
ويراهن القائمون على المؤتمر على بناء شراكات متعددة المستويات، تبدأ من تبادل المعلومات وتحديد الأولويات، وصولاً إلى إعداد خطط تنفيذية وتوقيع اتفاقيات رسمية، بما يضمن تنفيذ المشاريع ومتابعتها وتحقيق استدامتها.
كما طُرحت عدة مسارات للتعاون، تشمل الشراكات التمويلية والفنية والتنفيذية، إضافة إلى الشراكات الاستراتيجية طويلة الأمد، مع التركيز على دعم التعافي الاقتصادي من خلال المشاريع الصغيرة وبرامج التدريب المهني، وتنشيط الأسواق المحلية، ودعم القطاع الزراعي والحرفي.
وفي جانب الحوكمة والتنمية المجتمعية، شدّد المؤتمر على أهمية تعزيز المشاركة المجتمعية، وبناء القدرات المؤسسية، وتطوير آليات الشفافية والمساءلة، إلى جانب دعم التماسك المجتمعي والصحة النفسية، والتحول الرقمي في إدارة الخدمات.
كما تناولت الرؤية الاستثمارية سبل استثمار الموارد المحلية وتحفيز القطاع الخاص، من خلال تطوير الأصول البلدية وتنظيم الأسواق الاستثمارية والترويج الاقتصادي للمدينة.
وتتضمن خارطة الطريق مجالات واسعة للتدخل، في مقدمتها إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الحضرية، بما يشمل المباني والمرافق العامة وشبكات المياه والصرف الصحي والطرق والطاقة وإدارة النفايات، إضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية في قطاعات التعليم والصحة والأمن الغذائي والخدمات الاجتماعية.
ويختتم المؤتمر أعماله وسط آمال بأن يشكّل نقطة انطلاق فعلية نحو إعادة بناء دوما، ليس فقط على مستوى البنية التحتية، بل أيضاً على صعيد الإنسان والمؤسسات، في مدينة تسعى للنهوض مجدداً بعد سنوات من الدمار.