مع بداية فصل الربيع، تعود الحياة تدريجيًا إلى الطبيعة في وادي بردى، وتستعيد ينابيع المياه صفاءها، في مشهد طالما ارتبط بذاكرة السوريين كوجهة سياحية أولى. لكن في بلدة عين الفيجة، يقف هذا المشهد الطبيعي على النقيض تمامًا من واقعها الخدمي والإنساني، حيث يطغى الدمار الواسع على كل تفاصيل المكان، مانعًا عودة الأهالي، ومحوّلًا البلدة إلى منطقة شبه مهجورة رغم رمزيتها الحيوية كمصدر رئيسي لمياه الشرب لدمشق وريفها.
تبدو آثار الدمار واضحة في كل زاوية: منازل مهدمة بالكامل، وسواقي مياه مردومة بالأنقاض، وطرق غير سالكة، فيما يحاول بعض الأهالي الوقوف وسط الركام لاستعادة ما تبقى من ذكرياتهم. ورغم هذا الواقع القاسي، لم يمنع ذلك بعض الزوار من القدوم إلى النبع في مشهد يعكس التناقض الحاد بين رمزية المكان وحاله الراهن.
رئيس بلدية عين الفيجة، خليل عيسى، وصف الوضع بأنه “أكبر من إمكانيات أي حملة محلية”، مؤكدًا أن الجهود الحالية لإزالة الأنقاض “متواضعة جدًا مقارنة بحجم الدمار”. وأضاف في حديثه أن البلدة بحاجة ماسة إلى آليات ثقيلة قادرة على تعزيل السواقي التي رُدمت بالكامل، مشيرًا إلى أن المعدات المتوفرة حاليًا، بما فيها الجرافات ذات العجلات، “غير قادرة على التعامل مع هذا الحجم من الركام”.
ولم يقتصر التدهور على البنية التحتية، بل امتد إلى غياب شبه كامل للخدمات الأساسية. وأوضح عيسى أن مياه الشرب لم تصل حتى إلى منازل تبعد أقل من 200 متر عن نبع الفيجة، رغم تقديم عشرات الطلبات الرسمية وزيارات ميدانية لمسؤولين، دون أي استجابة فعلية. كما أشار إلى أن شبكة الكهرباء “لم يُمد منها متر واحد منذ ما بعد السيطرة على البلدة”، في ظل غياب تام لشركة الكهرباء عن المنطقة.
ووصف رئيس بلدية عين الفيجة البلدة بأنها “منسية بالكامل”، رغم أهميتها الاستراتيجية كمصدر المياه الرئيسي للعاصمة، معتبرًا أن هناك “تقصيرًا واضحًا من قبل الجهات المعنية”. وكشف أنه يفكر جديًا بالاستقالة من منصبه، لعجزه عن تلبية احتياجات السكان في ظل غياب الدعم الحكومي والإنساني، قائلًا: “لا نستطيع تقديم شيء للمواطنين، وكل ما نحصل عليه هو وعود دون تنفيذ”.
وفيما يتعلق بمؤسسة مياه الفيجة، وجّه عيسى انتقادات حادة لإدارتها، متهمًا إياها بعدم الاستجابة لمطالب الأهالي والتعامل “بفوقية وعدم مسؤولية”، على حد وصفه، مشيرًا إلى أن الشكاوى المتكررة لم تلقَ أي اهتمام يُذكر.
من جهتهم، عبّر عدد من أهالي البلدة عن خيبة أملهم العميقة من الواقع الذي وصلت إليه عين الفيجة، خاصة مع حلول الربيع الذي كان يشهد سابقًا ذروة النشاط السياحي. يقول أحد السكان: “كنا ننتظر هذا الفصل لنرى البلدة مليئة بالزوار، اليوم لا نرى إلا الركام”. بينما أشار آخر إلى أن كثيرين ممن عادوا اضطروا للسكن فوق أنقاض منازلهم “لعدم قدرتهم على دفع الإيجارات في مناطق أخرى”.
وبحسب إفادات محلية، فإن معظم سكان البلدة لا يزالون مهجرين، في ظل دمار طال نحو 100% من المنازل، ما يجعل العودة شبه مستحيلة دون تدخل فعلي لإعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية.
رغم مرور عام ونصف تقريبًا على التحرير وانتهاء العمليات العسكرية في المنطقة، لا تزال عين الفيجة عالقة بين الوعود الرسمية والواقع المتدهور، في مشهد يلخص معاناة مناطق سورية كثيرة خرجت من الحرب مدمرة، دون أن تدخل فعليًا في مرحلة التعافي.
في عين الفيجة، لا تكفي عودة النبع إلى الحياة لإعادة الروح إلى المكان. فبين دمار المنازل وغياب الخدمات، تبقى البلدة رهينة الإهمال، فيما ينتظر أهلها خطوات جدية تعيد لهم حقهم في العودة والحياة الكريمة، وتعيد لهذه المنطقة مكانتها التي طالما كانت عنوانًا للجمال والحياة في سوريا.
