أعاد ملف الأوقاف في سوريا نفسه إلى واجهة الجدل، مع حديث الأوقاف عن تحركات لاستعادة أملاك واسعة يعتقد أنها تعرضت للتلاعب أو البيع خلال عقود حكم نظام الأسد السابق. وبين المخاوف الشعبية والتوضيحات الرسمية، يبرز سؤال جوهري: لماذا يتم التوجه إلى الأرشيف العثماني، وهل يشكل مرجعا موثوقا لإثبات الملكيات الوقفية؟
واقع الأوقاف.. إرث ضائع وسجلات غائبة
تعاني الأوقاف السورية من حالة إهمال مزمنة، إذ لم تنظم أملاكها ضمن قواعد بيانات واضحة، ولم يتم حصرها بشكل دقيق، ما أدى إلى ضياع جزء كبير منها أو الاستيلاء عليه بطرق غير قانونية.
ويؤكد إبراهيم كوكي، مدير مديرية إعلام دمشق، في حديث خاص لموقع سوريا 24، أن مهمة وزارة الأوقاف تتمثل في “الحفاظ على الأملاك الوقفية وإعادة تفعيلها، باعتبارها ثروة وطنية كبيرة”.
ويشير إلى أن الوزارة، في مرحلة التحرير، اكتشفت وجود عدد كبير من الأوقاف التي لم تستخدم للغرض الذي وقفت لأجله، مثل رعاية الأيتام أو المرضى أو الفئات المحتاجة.
كما يوضح أن جزءا من هذه الأوقاف تعرض لسوء استخدام، فيما تم بيع قسم آخر أو تحويله إلى أملاك خاصة أو مشاريع استثمارية كالفنادق والحدائق، مع إخفاء الوثائق التي تثبت طبيعته الوقفية.
كيف بدأت عملية الاستعادة؟
بحسب كوكي، بدأت وزارة الأوقاف البحث عن هذه الأملاك عبر تتبع الوثائق وإعادة تحديد مواقعها، في خطوة أولى تهدف إلى “تثبيت الوقف” قبل أي إجراء لاحق.
وفي هذا السياق، يبرز الاعتماد على الأرشيف العثماني كأحد المصادر الرئيسية، نظرا لاحتوائه على وثائق تاريخية تثبت طبيعة العديد من العقارات الوقفية، خاصة أن جزءا كبيرا من هذه الأوقاف يعود إلى عصور الدولة الأموية والعباسية والمملوكية، وصولا إلى العهد العثماني. ويشدد كوكي على أن الهدف من الاستعانة بهذا الأرشيف هو “إثبات أن هذا العقار وقف”، وليس لأي غاية أخرى.
هل سيتم انتزاع الأملاك من أصحابها؟
واحدة من أبرز المخاوف التي أثيرت تتعلق بإمكانية سحب الأملاك من المواطنين الحاليين، إلا أن المسؤولين ينفون ذلك بشكل قاطع.
ويؤكد كوكي أن الوزارة لن تقوم بانتزاع الملكيات من الأشخاص الذين اشتروا هذه العقارات دون علم بطبيعتها الوقفية، موضحا أن “الشاري حسن النية لن يظلم، ولن يتم طرد الناس من منازلهم أو محالهم التجارية”.
ويضيف أن الحلول ستكون تنظيمية وقانونية، تضمن حقوق الجميع دون الإضرار بالمواطنين، مع الاحتكام إلى القضاء في حال وجود نزاعات.
موقف وزارة الأوقاف.. تثبيت دون مصادرة
من جهته، أوضح معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، لوسائل إعلامية أن الوزارة تسلمت قطاع الأوقاف دون أرشيف منظم، بل “أوراق قديمة مبعثرة” وغياب شبه كامل لجدول دقيق بالأملاك.
وأشار إلى أن نظام الأسد قام، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى عام 2018، ببيع العديد من الأوقاف “بأبخس الأثمان” لمقربين منه، مع تسجيلها رسميا في السجلات العقارية (الطابو).
وأكد بيرقدار أن الملكيات المسجلة في “الطابو” لا يمكن تعديلها أو المساس بها، وأن المشتري حسن النية تبقى ملكيته مصانة، بينما ستتم ملاحقة البائعين المتورطين في التزوير أو الاستيلاء لتعويض الحقوق.
كما شدد على أن الاستعانة بالأرشيف العثماني تهدف فقط إلى معرفة الأملاك التي كانت وقفية، مؤكدا أن “الأوقاف السورية ملكية خالصة للدولة السورية، ولا علاقة لأي جهة خارجية بها”.
لماذا الأرشيف العثماني؟
يأتي التوجه نحو الأرشيف العثماني نتيجة غياب البدائل الحديثة، إذ إن الأوقاف السورية مهملة منذ سنوات طويلة، وغير منظمة، ولا توجد لها سجلات دقيقة، ما يجعل الوثائق التاريخية أحد أهم الأدوات المتاحة لإعادة بنائها. فالوثائق العثمانية كانت تسجل بدقة تفاصيل الأوقاف، من أسماء الواقفين إلى شروط الوقف وآليات صرف عائداته، ما يمنحها قيمة قانونية وتاريخية كبيرة في عمليات التوثيق.
هل يعد الأرشيف العثماني مصدرا موثوقا؟ ومن يعتمد عليه؟
ينظر إلى الأرشيف العثماني باعتباره من أهم المراجع التاريخية في المنطقة، ويستخدم في العديد من الدول التي كانت جزءا من الدولة العثمانية، مثل: تركيا، التي تعتمد عليه في إدارة الأوقاف والملفات العقارية التاريخية. فلسطين، خاصة في قضايا الأراضي في القدس. الأردن ولبنان، في بعض النزاعات العقارية. العراق، في توثيق الأملاك الوقفية.
ويؤكد مختصون أن هذه الوثائق، رغم قدمها، لا تزال تستخدم كأدلة معتبرة، خاصة عند غياب السجلات الحديثة، لكنها تحتاج إلى تدقيق ومطابقة مع الواقع الحالي.

