يشكّل الانسحاب الكامل لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من المنطقة الشرقية في سوريا تحولًا بارزًا في المشهد العسكري، إلا أن هذا التطور لا يُنظر إليه بوصفه نهاية للدور الأمريكي، بقدر ما يعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي والدولي داخل البلاد.
فمع مغادرة آخر القوات الأمريكية قاعدة قسرك الجوية في محافظة الحسكة، يوم أمس 16 نيسان/أبريل 2026، تكون واشنطن قد أنهت وجودًا عسكريًا مباشرًا استمر منذ عام 2015، ضمن التحالف الدولي الذي أُنشئ لمحاربة تنظيم “داعش”. غير أن هذا الانسحاب، بحسب تقديرات سياسية، يأتي في سياق أوسع من إعادة توزيع الأدوار، وليس انسحابًا كاملًا من التأثير في الملف السوري.
ووفق ما أفاد به مصدر عسكري لـ«سوريا 24»، فإن عملية الانسحاب جرت بشكل تدريجي خلال الأشهر الماضية، وشملت إخلاء قاعدة الشدادي، إضافة إلى الانسحاب من قاعدة التنف في شباط/فبراير الماضي، ضمن تنسيق مباشر مع الحكومة السورية. وبالتوازي، أعادت وحدات من الجيش السوري الانتشار في تلك المواقع، ولا سيما عبر الفرقة 60 التي تسلمت نقاطًا استراتيجية في رميلان والشدادي وقسرك.
انسحاب ضمن تفاهمات أوسع
في قراءة أعمق لهذا التحول، يرى الدكتور سمير العبد الله، الباحث الأول في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، في تصريح لـ«سوريا 24»، أن مسألة الوجود العسكري الأجنبي في سوريا باتت اليوم من أبرز الملفات المطروحة على طاولة التفاوض مع الحكومة السورية، مشيرًا إلى أن البلاد كانت حتى وقت قريب ساحة تنازع بين قوى متعددة، ما يجعل أي انسحاب جزءًا من إعادة ترتيب أوسع.
ويعتبر العبد الله أن الخطوة الأمريكية لا تعني تراجعًا، بقدر ما تعكس إعادة تنظيم للوجود العسكري في المنطقة، خاصة في ضوء التطورات الإقليمية، بما في ذلك التوترات المرتبطة بإيران. ويوضح أن واشنطن تسعى إلى إعادة ترتيب قواعدها وانتشارها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، مع تقليل الوجود المباشر على الأرض.
دور الحكومة السورية واتفاق «قسد»
ويشير العبد الله إلى أن هذا الانسحاب جاء بالتوازي مع تطورات داخلية مهمة، أبرزها الاتفاق الذي وُقّع في 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية و“قوات قسد”، والذي نص على إعادة دمج هذه القوات ضمن الجيش السوري وتنظيم الوضع الأمني في منطقة الجزيرة.
ويُنظر إلى هذا الاتفاق على أنه أحد العوامل التي سهّلت الانسحاب الأمريكي، إذ باتت الحكومة السورية تتولى مهام كانت تقوم بها القوات الأمريكية سابقًا، خصوصًا في ما يتعلق بضبط الأمن وملاحقة خلايا تنظيم “داعش”.
وبحسب العبد الله، فإن تقليص الوجود العسكري الأمريكي يهدف إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية لواشنطن عبر أدوات محلية، دون الحاجة إلى انتشار مباشر، في ظل استمرار التنسيق مع الحكومة السورية.
النفوذ الأمريكي مستمر
ورغم الانسحاب العسكري، يؤكد العبد الله أن الولايات المتحدة ستبقى لاعبًا رئيسيًا في سوريا، مشيرًا إلى أن وجود القوات ليس العامل الحاسم في تحديد النفوذ. ويضيف أن واشنطن ما تزال تمارس تأثيرًا واسعًا على المستويات السياسية والاقتصادية، وتعتبر نفسها راعية للحكومة السورية الحالية ضمن إطار مشروط.
كما لفت إلى أن المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، يؤدي دورًا محوريًا في توجيه العديد من الملفات الداخلية، ما يعكس استمرار الحضور الأمريكي بصيغ غير عسكرية.
تراجع إيراني وتموضع روسي
في السياق ذاته، يأتي الانسحاب الأمريكي بالتوازي مع تحولات في خريطة الوجود الأجنبي في سوريا، حيث اختفى الوجود الإيراني من البلاد بشكل شبه كامل منذ أواخر عام 2024، عقب سقوط النظام السابق، ما أنهى مرحلة طويلة من النفوذ العسكري المباشر لطهران.
أما روسيا، فقد أعادت تموضع قواتها خلال الفترة الماضية، مركزة وجودها في قاعدتي حميميم وطرطوس، بعد انسحابها من مواقع أخرى، من بينها مطار القامشلي، في خطوة تعكس توجهًا نحو تقليص الانتشار الميداني مع الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي.
الوجود التركي قيد المراجعة
وبالنسبة للوجود التركي في شمال سوريا، يشير العبد الله إلى أنه لا يزال مطروحًا للنقاش ضمن مسارات تفاوضية إقليمية ودولية، لافتًا إلى أن السيناريو الأقرب لا يتمثل في انسحاب كامل، بل في إعادة انتشار للقوات التركية.
ويضيف أن هذه الترتيبات قد تشمل بقاء القوات ضمن عمق يتراوح بين 5 و30 كيلومترًا على طول الشريط الحدودي السوري–التركي، سواء ضمن إطار اتفاقية أضنة الموقعة عام 1998 أو من خلال صيغة جديدة محتملة، خاصة مع قرب انعقاد مجلس الشعب السوري.
إعادة تركيب المشهد السوري
في المحصلة، يرى العبد الله أن ما يجري في سوريا اليوم هو عملية “إعادة تركيب للأوراق”، تشمل الجوانب العسكرية والسياسية، في ظل استمرار الوجود الأجنبي بأشكال مختلفة.
ويعكس انسحاب التحالف الدولي انتقالًا من مرحلة التدخل العسكري المباشر إلى نمط نفوذ غير مباشر، تتداخل فيه الأدوار المحلية والإقليمية ضمن توازنات جديدة، فيما يبقى المشهد السوري مفتوحًا على احتمالات متعددة مع استمرار مساعي مختلف الأطراف لإعادة تثبيت مواقعها.