يتواصل تراجع القطاع الصحي في مدينة رأس العين شمال الحسكة منذ مطلع عام 2026، عقب انتقال إدارة المدينة من المجلس المحلي إلى مؤسسات الدولة، في ظل فقدان منظومة الدعم السابقة التي كانت تشكل ركيزة أساسية لعمل المرافق الطبية، وعلى رأسها مستشفى رأس العين الوطني.
وبحسب إفادات من الكادر الطبي لـ”سوريا 24”، فإن المستشفى، الذي يعد المركز الطبي الرئيسي في المنطقة، شهد انخفاضا واضحا في قدرته التشغيلية بعد توقف الدعم الخارجي وخروج عدد من الكوادر الطبية التي كانت تعبر من الجانب التركي بشكل دوري، ما انعكس بشكل مباشر على مستوى الخدمات المقدمة للأهالي.
وتشير المعطيات إلى أن المستشفى يعمل حاليا بإمكانات محدودة، مع غياب عدد من الاختصاصات الأساسية، لا سيما الجراحة وأمراض القلب، إضافة إلى تراجع الخدمات المخبرية والتشخيصية، إلى جانب محدودية القدرة على إجراء العمليات الجراحية باستثناء الحالات الإسعافية، وهو ما يدفع الأهالي إلى البحث عن بدائل خارج المدينة للحصول على الرعاية اللازمة.
وفي هذا السياق، قال أبو محمود، أحد أهالي رأس العين، لـ”سوريا 24” إن “الوضع الصحي قبل هذا العام كان مختلفا، حيث كان يتم تحويل بعض الحالات الصعبة إلى مستشفيات في تركيا، كما كان هناك كادر من الأطباء الأتراك يزور المستشفى بشكل دوري، إضافة إلى إمكانية نقل الحالات الطارئة عبر الإسعاف إلى داخل الأراضي التركية”. وأضاف أن “الوضع الحالي تغير بشكل واضح، خاصة بعد إغلاق المعبر ومنع دخول المرضى، وهو ما انعكس على مستوى الخدمات وأدى إلى تراجعها مقارنة بالسابق”.
ويؤكد عدد من العاملين في القطاع الصحي أن إغلاق معبر رأس العين الحدودي كان من أبرز العوامل التي أثرت على واقع الخدمات الطبية، إذ أدى إلى انقطاع وصول الأطباء القادمين من تركيا، إضافة إلى توقف برامج الدعم التي كانت توفر تجهيزات وأدوية وخدمات صيانة للأجهزة الطبية، ما تسبب بخروج أجزاء من المنظومة الصحية عن الخدمة.
أحد الأطباء العاملين في المستشفى قال لـ”سوريا 24” إن “المشكلة لا تقتصر على نقص الكوادر، بل تشمل أيضا تراجع الإمكانيات الفنية، حيث خرجت عدة أجهزة عن الخدمة، ولا تتوفر حاليا فرق صيانة قادرة على إعادة تشغيلها”. وأضاف أن “بعض الأقسام تعمل بشكل جزئي، بينما أقسام أخرى متوقفة بالكامل، خاصة تلك التي تحتاج إلى تجهيزات متقدمة”.
من جهته، قال أحد الممرضين لـ”سوريا 24” إن “العمل يتركز حاليا على تقديم الإسعافات الأولية، في ظل غياب القدرة على إجراء عمليات نوعية أو تقديم خدمات تخصصية”. وأشار إلى أن “الضغط اليومي كبير مقارنة بعدد الكوادر المتاحة، ما يؤثر على سير العمل داخل الأقسام”.
وقال فهد الخلف، أحد أهالي قرية علوك شرقي رأس العين، لـ”سوريا 24” إن “الوضع الصحي كان أفضل سابقا، أما اليوم فنضطر للتوجه إلى مدن أخرى لإجراء الفحوصات أو تلقي العلاج، خاصة في الحالات التي تحتاج إلى متابعة تخصصية، وهو ما يضيف أعباء إضافية”.
وفي شهادة أخرى، قال يونس المحمد، أحد أهالي رأس العين، لـ”سوريا 24” إن “المستشفى لم يعد قادرا على التعامل مع كثير من الحالات، حيث اضطررت بعد تعرضي لإصابة إلى مغادرة المدينة لإجراء العلاج، بسبب عدم توفر أجهزة تصوير أو أطباء مختصين”. وأضاف أن “الانتقال إلى مدينة أخرى يتطلب تكاليف مرتفعة، إلى جانب الوقت الذي قد يؤثر على الحالة الصحية”.
كما أدى تراجع الخدمات داخل المستشفى إلى زيادة الاعتماد على العيادات الخاصة، رغم ارتفاع تكاليفها، في وقت لا تتوفر فيه إمكانيات كافية لدى شريحة واسعة من الأهالي لتحمل هذه الأعباء، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية القائمة.
وتقدر أعداد الأهالي الذين يعتمدون على مستشفى رأس العين بعشرات الآلاف في المدينة وريفها، ما يجعل أي خلل في أدائه ينعكس بشكل مباشر على الواقع الصحي العام، في ظل محدودية المراكز الصحية الأخرى وقدرتها المحدودة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى.
وتعمل الجهات المعنية، وفق ما أفادت به مصادر لـ”سوريا 24”، على إعادة تشغيل بعض الأقسام بشكل تدريجي، مع محاولات لاستقطاب كوادر طبية جديدة، إلا أن هذه الجهود لا تزال تواجه صعوبات تتعلق بنقص الموارد والإمكانيات، إضافة إلى الحاجة لإعادة تأهيل البنية التحتية الطبية بشكل كامل.
ويعكس الواقع الحالي في رأس العين فجوة واضحة بين ما كان متاحا من خدمات خلال السنوات الماضية، وما هو قائم حاليا، في ظل غياب منظومة الدعم السابقة، وعدم اكتمال جاهزية البدائل حتى الآن، الأمر الذي يضع القطاع الصحي أمام تحديات مستمرة تتطلب تدخلات أوسع لإعادة استقراره.



